عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 06-21-2007, 10:12 AM
 
رواية ( البيت المائل) آغاثا كريستي






رواية البيت المائل - أجاتا كريستي



كانت عائلة ليونايدز عائلة كبيرة سعيدة يعيش أفرادها بقناعة في بيت واسع (كثير الزوايا و الأشكال المثلثة) في بعض ضواحي لندن الفاخرة. و لكنهم يكتشفون – بعد مقتل أريستايد ليونايدز – أن بينهم قاتلاً...
الشرطة يراقبون و يحققون، و لكن جريمة أخرى كادت تقع أمام أنظار الجميع، ثم يكاد شخص ثالث أن يلقى حتفه. هل أمسك الشرطة القاتل الصحيح؟
"إنها واحدة من أفضل رواياتي...

طُبعت للمرة الأولى باللغة الإنكليزية عام 1949

ترجمة: محمود الخطيب
مراجعة الترجمة: جهاد الكردي
تحرير: رمزي رامز حسّون
تنفيذ الغلاف: عروة مؤمن ديرانية
النسخة الإلكترونية: هيستينغز

مقدمة المؤلفة


هذه القصة من أخص رواياتي المفضلة، و قد حفظتها سنين طويلة أفكر في أمرها و أعيد النظر فيها. أقول لنفسي: في يوم ما، في الوقت المناسب، حين أريد إمتاع نفسي حقا، شوف أبدأ في كتابتها.
إن روايتي (( البيت المائل )) كانت متعة خالصة. و أتساءل كثيرا: هل يظن الناس الذين يقرؤون الكتب أن التأليف عمل صعب أم متعة؟ و كان الناس يقولون لي مرة بعد أخرى: ((لا بد أنك استمتعت بكتابة هذه القصة أو تلك)).
أما هذه القصة فأبَتْ بعناد أن تخرج كما أتمنى، فشخصياتها بغيضة و عقدتها متشابكى من غير ضرورة، و الحوار متكلف. و ربما لا يكون المؤلف أفضل من يحكم على عمله، و مهما يكن فكل من قرأ رواية (( البيت المائل )) قد أحبّها، و من أجل هذا أقول بأنها واحدة من أفضل رواياتي.
لا أعرف كيف جائتني فكرة عائلة ليونايدز؟ فقد جاءت هكذا، ثم – كما يقول توبْساي - : (( لقد نمت و ترعرعتْ)).
إنني أشعر بأنني كنت ناسخةً لهذه الفكرة ليس غير
الجزء الأول

عرفتُ صوفيا ليونايدز أول مرة في مصر قبل نهاية الحرب العالمية. كانت تشغل منصباً إداريا رفيعاً في إحدى دوائر وزارة الخارجية هناك، و قد عرفتها أثناء وظيفتي بصفة رسمية فأُعجبتفي الحال بكفاءتها التي أوصلتها إلى ذاك المنصب رغم صغر سنها إذ كانت آنذاك في الثانية و العشريت من عمرها.

و إلى جانب حسن مظهرها فقد كانت ذكية و صريحة تسهل محادثتها رغم ميلها للسخرية، فأصبحنا صديقين، و أحببتها و رغبت في الزواج بها. كان ذلك حين تقرر نقلي للعمل في المشرق بعد خمود الحرب في أوروبا.

عزمت على هذا القرار بعدما تناولنا العشاء في فندق شبرد، فأقررت بحقيقةٍ كنت أعرفها منذ زمن طويل، فقد أعجبتني منذ رأيتها قبل الحرب! أعجبني كل شيء رأيته فيها: الشعر الداكن الأجعد الذي كان يتشامخ إلى أعلى من جبهتها، و العينان الزرقاوان المفعمتان بالحيوية، و الذقن البارز الصغير، و الأنف المستقيم، و ثيابها الأنيقة!

كانت تبدو إنكليزية ممتلئة بالحيوية، و قد أعجبني ذلك كثيراًبعد ثلاث سنين قضيتها غائبا عن بلدي. و فكرت في نفسي أنْ لا أحد يبدو إنكليزيا أكثر منها.. ترى هل تستطيع أن تكون إنكليزية حقا كما تبدو؟ هل يصبح الشيء الزائف كالشيء الخالص في الكمال؟
أدركت أن صوفيا – رغم حديثنا الحر الطويل و مناقشة الأفكار فيما نحب و ما نكره و المستقبل و أصدقائنا المقربين – لم تذكر شيئا عن بيتها و أسرتها. لقد عرفت كل شيء عني – و كانت مستمعة جيدة – و لكني لم أعرف عنها شيئا! كنت أقدر أن لها الجذور الاجتماعية المعروفة، لكنها لم تتحدث عنها قطّ، و لم أدرك الحقيقة حتى هذه اللحظو. سألتْني:

- فيم كنت تفكر؟

أجبتها بصدق:

- أنت!

- عرفت ذلك.

- قد لا نلتقي قبل عامين، لا أعرف متى أعود إلى إنكلترا، لكن أول شيء أفعله حين أرجع إلى إنكلترا هو المجيء لكي أراك و أطلب منك أن تتزوجيني.

تقبلت صوفيا الأمر دون أن يطرف لها جفن، و جلستٍ نحنسي القهوة دون أن تنظر إليّ، و شعرت بالعصبية قليلاً، قلت:

- اسمعي، سأفعل كل شيء إلا شيئاً واحدً، لن أطلب منك الزواج الآن، ربما ترفضينني فأرحل بعدها يائساً، و ربما أعشق ارمأة أخرى قبيحة حتى أنتقم لغروري، و حتى لو وافقتِ فما عسانا أن نفعل إزاء هذا الأمر؟ نتزوج في الحال؟ نعلن خطبتنا ثم نبقى على تلك الحال زمناً طويلاً؟

لا أحتمل رؤيتك على هذه الحال، فقد تلتقين رجلا غيري ثن تشعرين بأن عليكِ أن تكوزني مخلصة لي. أحب أن أراك تعودين إلى وطنك حرة مستقلة لكي تنظري حولك و تعرفي عالم ما بعد الحرب الجديد و تقرري ما تريدينه من هذا العالم، فالذي بيني و بينك يا صوفيا سيبقى خالداً لأنني لن أتزوج أي امرأة أخرى.

- و أنا أيضاً..

- هل تعلميبن بم أشعر؟

همست صوفيا:

- لا ينبغي الغزل الآن.

- حبيبتي، ألا تفهمين؟ لقد حاولت ألا أقول بأنني أحبك..

قاطعتْني:

- إنني أفهم يا تشارلز، و أنا أحب أسلوبك الغريب، قد تأتي لتراني حين تعود إن كنت تريد أن..

و قاطعتُها:

- لا شك في ذلك.

- الشك يدخل كل القلوب يا تشارلز، قد يظهر أحياناًأمرٌ غير محسوب و لا مقدّر يغير الأحداث كلها. تذكّر أنك لا تعرف شيئاً عني، أليس كذلك؟

- بلى، حتى أنني لا أعرف أين بيتكم في إنكلترا؟

- إنني أعيش في سْوينلي دين.

أومأتُ برأسي حين ذكرت هذه الضاحية الشهيرة في لندن التي تتباهى بثلاثة ملاعب غولف، و أضافتْ بهدوء و صوت مطمئن:

- في بيت صغير مائل..

و ضحكتْ فجفلتُ قليلاً، ثم أردفت بجملة مقتبسة:

- ((و كانوا جميعا يعيشون في بيت صغير مائل))، هذه حالنا نحن، بيتنا ليس بيتا صغيرا، لكنه حتما منحرف خشبي موشور الشكل، في سطحه زوايا كثيرة!

- هل أنت من عائلة كبيرة؟ إخوتك و أخواتك؟

أخ واحد و أخت واحدة، و أبي و أمي و عمي و زوجته و جدي و زوجته و خالة عجوز.

صحت و أنا مرتبك قليلاً:

- يا إلهي!

ضحكت صوفيا:

- نحن لا نعيش معاً، لكن الحرب و الغرات الجوية هي التي اضطرتنا أن نجتمع، لكنني لا أدري.. – و قطبت حاجبيها تفكر - .. ربما كان أبناء العائلة يعيشون معاً في الروح تحت رقابة جدي و حمائته، إنه رجل له شأنه. لقد تجاوز الثمانين من عمره، و هو قصير القامة، لكن شخصيته قوية بدرجة غير عادية.

- يبدو مثيرا للاهتمام.

- إنه فعلا كذلك، فهو يوناني من سميرْنا، اسمه أريستايد ليونايدز. ثم أضافت و عيناها تطرفان: و هو غني جداً!

- من يرثه بعد وفاته؟

- جدي سيقرر، و لن يئثر فيه أي أسلوب أو يزحزحه، إنه داهية! ترى، هل ستحبه؟

- و هل تحبينه أنت؟

- أكثر من أي شخص في الدنيا.

*****
الجزء الثاني

كان ذلك قبل سنتين من عودتي إلى بلدي. لم تكن سنين الغربة سهلة، كنت أكتب صوفيا و أسمع منها كثيراً، و كانت رسائلها مثل رسائلي: رسائل صديقين حميمين لا رسائل حب، فكانت هي تكثر من ذكر شؤون الحياة اليومية، لكنني كنت أعرف أن مشاعر أحدنا تجاه الآخر كانت تزداد و تقوى.

و رجعت إلى إنكلترا في يوم هادئ كئيب من أيام أيلول: بدت الأوراق على الأشجار ذهبية في ضوْء المساء، و كانت الريح تعصِف.

أرسلت لصوفيا برقية من أرض المطار:

((لقد عدت لتوي.
أرجو أن نتناول العشاء معاً هذا المساء في ماريو الساعة التاسعة!
تشارلز)

بعد ذلك بساعتين كنت أجلس أقرأ جريدة (التايمز) و أتفحص أعمدة المواليد و الزواج و الوفيات، فوقعتْ عيني على اسم ليونايدز:

(في 19 أيلول، في ثري غابِلْز، سوينلي دين، مات أريستايدليونايدز زوج بريدنا ليونايدز المحب عن عمر يناهز الثامنة و الثمانين. مع الأسف العميق!)

ثم قرأتُ إعلاناً آخر:

(مات أريستايد ليونايدز فجأة في مسكنه ثري غابلز، سوينلي دين! ينعاه أولاده و أحفاده المحبون بعمق الأسى!
ترسل الورود إلى كنيسة القديس إلْيرْد في سوينلي دين)

أثار الإعلان استغرابي، فربما أدّى خطأ من جانب المحررين في الصحيفة إلى هذا الإزدواج، لكنّ شغلي الشاغل كان صوفيا.

أرسلت لها برقية ثانية على عجل:

(لقد قرأت لتوي خبر وفاة جدك.. آسف جداً!
متى أستطيع رؤيتك؟
تشارلز))


وصلتني برقية من صوفيا في السادسة و أنا في بيت أبي:

(سأكون في ماريو في التاسعة ليلاً.
صوفيا))


جعلتني فكرة لقاء صوفيا مرة أخرى عصبياً. و كان الوقت يمرّ بطء يثير الجنون. كنت أنتظرها في الماريو قبل الموعد بثُلث ساعة و تأخرت هي عن الموعد خمس دقائق.

إن لقاء شخص مرة أخرى بعد انقطاعٍ طويلٍ مربكٌ إلى حدٍّ ما و إن يكن حاضراً في ذهنك طوال تلك الفترة. حين دخلت صوفيا من الباب الدوار كان لقاؤنا متكلِّفاً. كانت تلبس الأسود بسبب الحداد بلا ريب، و قد فاجأني أن صوفيا من الذين يلبسون الأسود حقاً حداداً على قريب مات!

شربنا عصيراً ثم ذهبنا إلى طاولتنا. تحادثنا سريعاً بطريقة محمومة، نسأل عن الأصدقاء القادمى أيام كنا في القاهرة. و كان حديثنا مجاملة لكنه طغى على الارتباك الذي ساد بداية اللقاء.

واسيتها بوفاة جدها و قالت صوفيا بهدوء بأنها حدثت فجأة كلُّها.

ثم اطنلقت مرة أخرى للذكريات، وبدأت أشعر بالخوف من شيء ما، شيء غير الارتباك الطبيعي من اللقاء ثانية بعد غيبة طويلة. كان في صوفيا شيء غير طبيعي حتماً: هل تخبرني بأنها عرفتْ رجلاً آخر غيري تهتم به أكثر مني و أن إحساسها بي كان خداعاً؟ ساورني إحساس عميق بأن الأمر لم يكن كذلك، و لكني فشلت في الاهتداء إلى احتمال آخر، و في غضون ذلك أكملنا حديثنا المصطنع!

ثم فجأة عندما وضع الساقي القهوة لنا و تراجع و هو ينحني، بدأ الحديث يتغير، فأنا أجلس الآن مع صوفيا كما كنا نفعل من قبلُ كثيراً على طاولة صغيرة في مطعم، كأن سنين الغربة التي عشناها لم تكن أبداً. قلتُ:

- صوفيا!

- تشارلز!

تنهدتُ عميقاً دلالة على الارتياح و قلت:

- أحمد الله أن هذا الأمر قد انتهى و ولّى. ما الذي أصابنا؟

- ربما كانت غلطتي، كنت حمقاء!

- هل الأمرُ الآن طبيعي؟

- أجل.. طبيعي الآن.

و ابتسمنا، فقلت:

- حبيبتي، هل نتزوج قريباً؟

انطفأت ابتسمتها فأصابني الانقباض ثانية، قالت:

- ربما، لا أدري يا تشارلز إن كنت أستطيع الزواج بك؟

- و لِمَ لا يا صوفيا؟ ألأنك تشعرين بأنني غريب؟ أتريدين وقتاً لتعتادي عليَّ ثانية؟ هل عرفتِ رجلاً غيري؟

هزت رأسها و قالت:

- لا، ليس كذلك.. – و خفضت صوتها – .. بل بسبب موت جدي.

- موت جدك؟ لماذا؟ و ما الفرق؟ إنك لا تقصدين حتماً أن امتناعك بسبب المال، أليس كذلك؟ و هل ترك جدك مالاً؟ لكنّ الأمر يا عزيزتي..

- إنه ليس المال – وابتسمت ابتسامة سريعة – أظن أنك سكتون راغباً تماماً أن تأخذني على حالتي الجديدة كما يقول المثل القديم، ثم إن جدي لم يخسر مالاً في حياته.

- إذن فما الأمر؟

- أظن – يا تشارلز – أن جدي لم يمت موتاً طبيعياً، ربما يكون قد قتل!

- يا لها من فكرة غريبة! ما الذي يجعلك تظنين أن جدك قُتل؟

- أنا لم أفكر فيها، بل كان الطبيب يشك في الأمر. إنه لم يوقّع شهادة الوفاة، و سوف يشرّح الأطباء الجثة، فلعل في الأمر شيئا غير طبيعي.

لم أجادلها، لأنها فتاة ذكية جداً، صاحبة آراء صائبة و استنتاجات سليمة، بل قلت لها جاداً:

- قد يكون لشكوكهخم أسبابُها، لو أن لها أسباباً فكيف يؤثر هذا علينا نحن الاثنْين؟

- قد يؤثر في حال من الأحوال، فأنت تعمل في السلك الدبلوماسي. إنهم شديدو الاهتمام بأمر الزوجات. لا، أرجوك لا تقل شيئا يتفطّر له قلبك! كأنك تريد أن تقول: (أريد أن يكون زواجنا حسناً، لا ينبغي لأحدٍ منا أن يضحي من أجل الحب!)، فما يدريك يا تشارلز؟ ربما يكون كل شيء طبيعياً..

- أيكون الطبيب قد ارتكب خطأ؟

- و إن لم يرتكب خطأ فلا يهم ما دام ذلك الشخص قد قتله.

- ماذا تقصدين يا صوفيا؟

- إنه أمر بغيض لكنني أريد أن أكون صريحة.

و أدركتْ صوفيا كلماتي قبل أن أقولها، فقالت:

- لا يا تشارلز، لن أقول شيئا آخر. ربما قلت كثيراً من قبل، لكنني أصررت على المجيء هنا و لقائك هذه الليلة؛ لكي أراك بعيني و أفهمك. لن نفعل شيئا حتى تنجلي هذه المشكلة.

- خبريني عنها على الأقل.

- لا أريبد يا تشارلز، لا أريدك أن ترى الأمر من زاويتي، بل أريد أن تكون نظرتك صواباً و أن ترى الأمر بطريقة صحيحة.

- كيف أفعل ذلك؟

قالت لي و هي تنظر إليَّ بعينين زرقاوين تبرقان بوهج غريب:

- فلتسمعه من أبيك.

كنت قد أخبرت صوفيا – و نحن في القاهرة – أن أبي يعمل مساعد مفوّض في سكوتلانديارد، و هو ما يزال كذلك. و عندما قالت كلمتها الأخيرة أحسست بالإحباط فقلت مستفسراً:

- إذن فالأمر سيّء إلى هذا الحد؟

- أظن ذلك، هل ترى رجلا يُطيل الجلوس إلى طاولة قرب الباب وحيداً؟ رجلاً وسيماً بليداً كان يعمل من قبل في الجيش؟ لقد كان هو نفسه على رصيف محطة سوينلي دين هذا المساء ساعة دخلتُ القطار.

- تقصدين إنه تبِعك إلى هنا؟

- نعم، أظن أننا جميعاً تحت الرقابة، لقد ألمحوا إلينا أن من الأفضل أن نمكث جميعاً في البيت، و لكنني كنت عقدت العزم على رؤيتك – و برز ذقنها الصغير و هي تتكلم مشاكسة – لقد خرجت من شباك الحمام ة انزلقت على أنبوب المياه!

- حبيبتي!

- لكن الشرطة قديرون في عملهم، و هناك طبعاً البرقيةُ التي أرسلتُها لك. حسناً، لا تؤاخذني، إننا هنا معاً لكنّ علينا من الآن فصاعداً أن نفترق.. و سكتت قليلاً ثم أضافت:

- و لسوء الحظ، فإن أيّاً منا لا يشك بحب صاحبه له يا تشارلز!

- لا شك بتاتاً، و لا تقولي: (لسوء الحظ)، لقد بقيت أنا و أنت على قيد الحياة أثناء الحرب العالمية، و نجونا من الموت المفاجيء كثيرا، و لا أعلم كيف يدهم الموت عجوزاً فجأة؟.. كم كان عمره؟

- سبعة و ثمانين عاماً!

- أجل، قرأته في جريدة (تايمز) و لو سألتني لقلت أنه مات في الشيخوخة، و أن أي طبيب يحترم نفسه سوف يرضى بهذه الحقيقة.

- لو كنتَ تعرف جدي لأسِفْت على موته!

*****
الجزء الثالث


اهتممت على الدوام بعمل أبي في الشرطة، لكني لم أتهيأ للّحظة التي أكون فيها مهتماً بشكل مباشر هكذا. و لم أكن بعدُ قد رأيت الرجل العجوز، فعندما وصلت البيت كان هو في الخارج. بعدما اغتسلت و حلقت ذقني و غيّرت ثيابي خرجت من أجل صوفيا، و حين رجعت أخبرني جلوفر أنه كان في مكتبته.

كان يجلس وراء مكتبه عابساً يطالع كثيراً من الأوراق، و حين رآني داخلاً قفز عن مقعده مرحبّاً:

- تشارلز، لم أرك منذ زمن بعيد.

كان لقاؤنا بعد خمس سنين من الحرب لقاء يصيب أي فرنسي بخيبة أمل، و الحقيقة أننا كان بيننا عاطفة اجتماع الشمل؛ فأنا و العجوز نحب بعضنا كثيراً و نفهم بعضنا جيداً. قال العجوز:

- آسف لأنني كنت خارجاً حين وصلتَ هنا، إنني غارق في العمل حتى أذنيّ، تباً! لهذه القضية التي بدأت أدرسها الآن..

أسندت ظهري إلى الكرسي و سألته:

- قضية أريستايد ليونايدز؟

عبس العجوز و قطب حاجبيه و نظر إلي نظرة تقدير، و قال بلسان هادئ و قوي:

- تشارلز، كيف عرفت ذلك؟

- بلغتني معلومات.

- ما خطبك يا تشارلز؟ أخبرني.

- أخشى ألا يعجبك كلامي! لقد لقيت صوفيا ليونايدزفي القاهرة. أحبتها، و سوف أتزوجها. ألتفينا هذه الليلة. لقد تعشّت معي.

- تعشت معك؟ في لندن؟ و كيف خرجتْ؟ لقد طلبنا من أفراد العائلة ألاّ يغادروا البيت.

- أجل، لكنها انزلقتْ على أنبوب المياه من شباك الحمام.

ابتسم العجوز ابتسامة سريعة و قال:

- تبدو فتاة داهية!

- لكن شرطتكم قديرون تماماً، فقد تبعها شرطي إلى مطعم ماريو، و سوف ترى أوصافي في البيانات التي بين يديك: الطول خمسة أقام و أحد عشر إنشاً، الشعر بني، العينان عسليتان، بدلة كحلية مقلّمة..

نظر العجوز إليّ نظرة قاسية، و سألني:

- أهذا كلام جاد؟

- أجل، إنه كلام جدا يا أبي!

صمتنا برهة قصيرة، ثم سألته:

- و هل تمانع ذلك؟

- لم أكن لأمانع ذلك قبل أسبوع. إنها أسرة غنية جداً، و الفتاة سوف ترث المال، و أنت فتىً بالغ عاقل راشد، و لكن..

- ماذا يا أبي؟

- سيكون الأمر طبيعيا لو..

- ماذا؟

- لو كان الذي فعلها هو ذاك الشخص!

للمرة الثانية أسمع العبارة ذاتها في تلك الليلة، و بدأت أتشوق لمعرفة التفاصيل و جلاء الموضوع:

- من هو ذلك الشخص؟

نظر إليَّ نظرة حادّة:

- ماذا تعرف عن هذا الأمر؟

- لا شيء.

تساءل مندهشاً:

- (لا شيء)؟ ألم تخبرك الفتاة؟

- لا، قالت بأنها تحب أن أرى الأمر من وجهة نظري من غيرتأثيرٍ منها.

- لماذا؟

- أليس ذلك واضحاً؟

- لا يا تشارلز.

و جعل أبي يروح و يجيء و ما زال عايساً. أشعل السيغار و نفث دخانه، فعرفت أن الوالد العجوز انزعج. ثم فاجأني بسؤال:

- ماذا تعرف عن العائلة؟

- تباً! أعرف أن هناك الرجل العجوز و العديد من أبنائه و أحفاده و أزواجهم. لكني لم أستوعب جميع أفراد هذه العائلة الكبيرة، ليتك يا أبي توضح الصورة لي!

قال و هو يجلس:

- نعم، هذا جيد. سوف أبدأ بالأب الكبير إريستايد ليونايدز، فقد وصل إلى إنكلترا و هو في الرابعة و العشرين.

- يوناني من سميرنا؟

- ها أنت تعلم هذا!

- أجل، لكن هذا هو كل ما أعرفه.

و انفتح الباب، و دخل جلوفر ليقول إن رئيس المفتشين تافيْرنر حضر فقال أبي:

- إنه المسؤول عن القصة فلْنُدخلْه، لقد كان يطلع على ملفّ العائلة، و هو يعلم عن أفرادها أكثر مما أعلم.

و سألتُ أبي إن كانت دائرة الشرطة المحلية قد استدعت سكوتلانديارد فقال:

- إنها من شأننا، لأن سوينلي دين تقع في منطقة لندن الكبرى.
و دخل رئيس المفتشين تافيرنر إلى الغرفة فأومأت برأسي محيّياً، فلقد كنت أعرفه منذ سنين. حيّاني بحرارة و هنأني على عودتي سالماً. ثم قال أبي:

- إنني أبين الصورة لتشارلز، فإن أنا أخطأت فذكّرْني يا تافيرنر. وصل ليونايدز إلى لندن عام 1844، حيث أنشأ مطعماً صغيراً في سوهو، و كان ناجحاً، فأنشأ مطعماً آخر، و ما زال هكذا حتى صار يمتلك سبعة مطاعم أو ثمانية، و كانت كلُّها رابحة!

تافيرنر: لم يكن ليونايدز يخطئ في أي شيء يفعله.

أبي: كانت فيه حاسة طبيعية، و سرعان ما أصبح وراء معظم مطاعم لندن الكبرى. ثم عمل في سوق التجهيزات الغذائية، و كان عمله فيها ضخماً حقاً.

تافيرنر: و كان ليونايدز وراء بعض التجارات الأخرى مثل الثياب البالية و محالّ الجواهر التقليدية و غيرها كير!.. و كان رجلاً غير أمين.

قال تافيرنر الجملة الأخيرة بعد هنيهة من التفكير، فسألته قائلاً:

- أكان محتالاً؟

- لا، كان فيه عِوجٌ و لكنْ لم يكن محتالاً، و هو – و إن لم يخرج عن القانون – إلاّ أنه كان يفكر بأي أسلوب للالتفاف عليه. لقد جنى أرباحاً كبيرة بهذه الطريقة، و حتى في الحرب الأخيرة رغم أنه كان أثناءها طاعنا في السن. لم يفعل شيئا غير قانوني، لكنه كان إذا شرع في عمل يلتمس له في القانون مخرجاً ثم يكون قد انتقل إلى عمل غيره! أرجو أن تكون قد فهمت ما أعنيه.

قلت:

- إنه لا يبدو شخصية جذابة.

- من الغريب إنه كان جذاباً قوي الشخصية حتى أنك لتشعر بذلك من لمحة واحدة. و إذا نظرت إليه لم تَرَ ما يثير إعجابك، كان قزماً قبيحاً لكنه كان ساحر، فما أكثر النساء اللائي أحببْنه!
قال أبي: لقد تزوج زواجاً يصدم السامع، تزوج ابنة إقطاعي في الريف صاحب اراضٍ لتربية الثعالب.
رفعتُ حاجبيّ من الدهشة و قلت:

- المال!؟

هز العجوز رأسه و قال:

- لا، كان زواج حب. لقيَتْخ الفتاة لتبحث معه شأن بعض التجهيز الغذائي في حفل زفاف صديقة لها فوقعت في حبه. و سخِط أبوها عليها لكنها ألحّتْ في الزواج منه. لقد قلت لك بأن للرجل سحراً عجيباً جذبها، و يبدو أنها كانت قد سئمت من الرجال التقليديين حولها.

- و هل كان زواجهما سعيداً؟

- كان سعيداً جدا. و رغم أن أصدقاءهما المحترمين لم يخالطوهما فإن ذلك لم يكن يقلقهما، و عاشا من غير أصدقاء. و بنى زوجها بيتاً تنكره الطبيعة و العقل في سوينلي دين، و سكنا هناك و أنجبت هي ثمانية أطفال. كان العجوز لينايدز ذكيا حين اختار سوينلي دين؛ لأنها كانت في بداية التحول إلى متطقة نموذجية راقية، فلم يكن فيها – بعدُ – ملعبا الغولف الثاني و الثالث.

و كان حولهما جماعة من السكان القدامى الذي كانوا يحبون حدائقهم كثيراً، أحبوا جارتهم السيدة ليونايدز، و أحبوا رجال المدينة الأغنياء الذين أتوا ليعيشوا جوار السيد ليونايدز.

أعتقد أنهم كانوا سُعداء تماماً حتى ماتت السيدة في عام 1905 بمرض ذات الرئة!

- و هل تركته مع ثمانية أطفال؟

- أحدهم مات طفلاً و اثنان قُتلا في الحرب الأخيرة، و كان هناك ثلاث بنات إحداهن تزوجت و رحلت إلى أستراليا و ماتت هناك، و الثانية بقيت عانساً ثم صدمتها سيارة فماتت، و الثالثة ماتت قبل سنة أو اثنتين. و ما زال من أبنائه اثنان على قيد الحياة: روجر، الولد الأكبر، تزوج و لم ينجب أطفالاً، و فيليب الذي تزوج ممثلة شهيرة فأنجبت له ثلاثة أطفال: صاحبتك صوفيا، و يُوسْتيس، و جوزفين.

- و هل يعيشون جميعاً في.. ما اسم ذلك البيت؟ ثري غابلز؟

- أجل، لقد تدمر بيت روجر ليونايدز من القصف في أوب الحرب. أما فيليب و بناته فإنهم يعيشون هناك من عام 1937. و هناك الخالة العجوز أخت السيدة ليونايدز – الآنسة دي هافيلاند – التي كانت تشمئز من زوج أختها، لكنها عرفتْ أن من واجبها بعد موت أختها أن تقبل دعوة السيد ليونايدز لكي تعيش عنده و تربي الأطفال.

قال تافيرنر: إنها دائمة الحماس في عملها لكنها لا تغير رأيها في أحد من الناس، فهي تعارض ليونايدز و تنقد أسلوبه.

قلت:

- حسنا، يبدو إنه بيت مليء تماماً! فمن تظنه القاتل؟

هز تافيرنر رأسه و قال:

- الوقت ما يزال مبكرا لقول ذلك.

قلت:

- ماذا دهاك يا تافيرنر؟ أنا واثق بأنك تعلم القاتل، تحدث بحرية فنحن لسنا في محكمة يا رجل!

تجهّم تافيرنر و قال:

- لا، و ربما لا تنعقد المحكمة أبداً.

- هل تقصد أنه ربما لا يكون قد قُتل؟

- بل قُتل بلا شك، تسمم، لكن إثبات الدليل في أحوال التسمم هذه يتطلب براعة شديدة، قدتشير جميع الوجوه إلى اتجاه واحد. إنها قضية واضحة، جريمة كاملة، لكني في حيرة، إنها جريمة متقنة جداً!

نظرت إلى العجوز مستغيثاً، فقال بطء:

- أنت تعلم يا تشارلز أن الحل الواضح في قضايا القتل يكون غالبا هو الحل الصحيح. لقد تزوج العجوز ليونايدز مرة ثانية قبل عشر سنين.

- و هو في السابعة و السبعين؟

- أجل، تزوج فتاة في الرابعة و العشرين!

صفَرتُ مندهشاً:

- و من هي؟

- فتاة كانت تعمل في مقهى، محتشمة و حسناء، لكنها ضعيفة و مهمِلة.

- أتكون هي قتلتْه؟

و خاطبني تافيرنر:

- إنني أسألك أنت يا سيدي، فالفتاة قد بلغت الرابعة و الثلاثين، و هذه سنّ خطرة. و هي فتاة تحب العيش الهاديء، و في البيت شابّ غريب يعلّم الأطفال، و هو لم يذهب إلى الحرب لمرضٍ أصاب قلبه، و كانت علاقتهما معاً علاقة حميمة.

نظرت إليه متأملاً، كان ذلك نموذجاً قديماً و مألوفاً: تلك العائلة المتباينة الأفراد، و معها السيدة ليونايدز الثانية التي كانت – حسب كلام أبي – امرأة جديرة بالاحترام، و لكن لا يجدر أن ننسى أن الكثير من الجرائم ارتكبت دوما مستترةً بثوب الاحترام.

و سألت تافيرنر:

- و ماذا كان ذلك السم؟ أهو الزرنيخ؟

- لم يأتينا – بعدُ – تقرير المختبر، لكن الطبيب يظن أنه سُمّ الإيسيرين.

- هذا مُستغرَب قليلاً، أليس كذلك؟ من السهل حتما كشف المشتري.

- كان دواءيتداوى به... لقد كان قطرة عين.

قال أبي: كان ليونايدز مصاباً بالسكري، و كان يأخذ حقناً دوريّة من الأنسولين. كان الأنسولين في قنانيّ صغيرة أغطيتها من المطاط، فيوخز الغطاء بإبرة الحقن ثم تسحب الحقنة و فيها الأنسولين.

قلت مستنتجاً:

- و لم يكن الذي في الزجاجة الأنسولين، بل اٌيسيرين، أليس كذلك؟

- تماماً.

- و من الذي حقنه الإبرة؟

زوجته.

لقد فهمت الآن ماذا كانت تقصد صوفيا بقولها: (ذلك الشخص). و سألته:

- و كيف كانت العائلة مع السيدة ليونايدز الثانية؟

- لم تكن جيدة، و نادراً ما تبدلوا الحديث مع بعضهم.

كان كل شيء يتضح أكثر فأكثر، لكن كان واضحا أن المفتش تافيرنر لم يكن سعيداً بذلك. فسألته:

- لا يبدو أنك مقتنع تماما بهذه الفرضية؟

- لو أنها فعلت ذلك يا تشارلز لكان سهلاً عليها أن تستبدل بالقنّينة قنينة أنسولين حقيقية بعد ذلك، لا أستطيع أن أفهم لِمَ لمْ تفعل ذلك؟

- و هل في البيت كثير من الأنسولين؟

- أجل، قنانٍ ملأى و أخرى فارغة، و لو أنها فعلته لما استطاع الطبيب كشفه قطّ، لأن جسم الإنسان إذا تسمم بالإيسيرين فمات لا يُعرف في الأعراض التي تظهر على الجثة إلا قليلاً جداً. أما الذي حصل هنا فهو أن الطبيب قد فحص زجاجة الأنسولين فعرف فوراً أن الذي فيها لم يكن أنسوليناً.

قلت متأملاً:

- إذن فإما أن تكون السيدة ليونايدز غبية جداً و إما أن تكون ذكية جداً.

- أنت تقصد..

- ربما راهنت على استنتاج ستصلون إليه بأن أحداً لا يمكن أن يكون بالغباء الذي يبدو لكي يرتكب عملاً كهذا. على أية حال، هل هناك مشبوهون آخرون!

- كل من في البيت مشبوهون جميعاً، و قد كان فيه مخزون كبير من الأنسولين يكفي أسبوعين، فربما عبثتْ يدٌ بإحدى القوارير و تم وضعها لكي تستعمل في الوقت المقرر.

- و هل يستطيع كل منهم أن يصل إليها؟

- أجل، فلم تكن في خزانة مقفلة، بل كانت تحفظ على رف خزانة الأدوية في الحمام، و كل ساكن في البيت يأتي و يذهب إليه بحرية.

- و ماذا يدفعهم لقتله؟

تنهد أبي و قال:

- يا عزيزي تشارلز، كان أريستايد ليونايدز غنياً جداً، صحيح أنه خصّص مالاً كثيراً لعائلته، و لكن لعل أحدهم أراد المزيد.

- لا يوجد أحدٌ يريد أن يكون نصيبه أكبر من الجميع أكثر من تلك الأرملة، هل كان صديقها ذا مال؟

- بل فقيرا مثل فأر الكنيسة!

و فجأة لمعت في ذهني بعض الأفكار. تذكرت عبارة صوفيا المقتيسة، و تذكرت فجأة أبيات نشيدنا في الحضانة:

((رجلٌ ملتوٍ مشى مسافة ميلٍ ملتوٍ فوجد قطعة شِلْنٍ ملتوية عند باب ملتوٍ و قطّه الملتوي أمسك بفأرٍ ملتوٍ، و عاشوا جميعاً معاً في بيتٍ صغيرٍ ملتوٍ)).

قلت أخاطب تافيرنر:

- كيف وجدت السيدوليونايدز و ما رأيك فيها؟

ردّ بطء:

- إنها ليست سهلة، هادئة جداً قلا تعرف ما تفكر فيه لكنها تحب العيش الهاديء، أقسم إنني لعلى حق في هذا. إنها تذكرني بقطة، قطة كسولة كبيرة تهرهر، و هذا لا يعني أنني أكره القطط، إنها جميلة! – و تنهد - .. إننا نسعى وراء الدليل.

أجل، كنا جميعاً نريد دليلاً على أن السيدة ليونايدز قد سممت زوجها. صوفيا كانت تريده، و تافيرنر رئيس المفتشين، و كذلك أنا، و كل شيء سيكون حسنا بعد ذلك.

لكن صوفيا لم تكن متأكدة، و أنا لست متأكداً، و رئيس المفتشين مثلنا!

*****
الجزء الرابع


ذهبت في اليوم التالي إلى منزل ثري غابِلْز مع تافيرنر. كان موقفي غريباً و غير تقليدي أبداً، لكن العجوز لم يكن تقليدياً بتاتاً.

و كانت لي مكانة، فقد عملت في الشهبة الخاصة في سكوتلانديارد في أيام الحرب الأولى، و عملي ذاك قد بوأني مكانة رسمية إلى حدّ ما، و إن كانت مهمتي الآن مختلفة تماماً. و قال أبي:

- إذا أردنا حل هذه القضية فينبغي أن نحصل على معلومات داخلية، يجب أن نحيط بالناس الذين يعيشون في ذلك البيت، علينا أن نعرفهم من الداخل لا الخارج. أنت وحدك الذي تستطيع فعل ذلك.

لم أكن أحب ذلك. ألقيت عقب لفافة التبغ في المنفضة و أنا أقول:

- و هل أنا جاسوس للشرطة؟ هل عليّ أن أجلب معلومات داخلية من صوفيا التي أحبها و تحبني و تثق بي؟

انفعل العجوز كثيرا و قال محتداً:

- أرجوك لا تنظر للأمر هكذا. أولاً: هل تظن أن فتاتك الشابة قد قتلت جدها؟

- كلا، هذه فكرة سخيفة دون شك.

- حسناً، و نحن لا نظن ذلك أيضاً؛ لأن صوفيا كانت في الخارج بضع سنين، و كانت على علاقة ودية معه دائماً، و كانت تتقاضى راتباً سخياً منه، و لا شك أن خطوبتها كانت ستسره. إننا لا نشتبه فيها، لكني أريدك أن تعلم شيئا واحداً: إذا لم يتم حل هذه القضية فلن تتزوجك الفتاة، إنني متأكد مما أقول بسب ما أخبرتني به، و هذه جريمة لعلها لا تحلّ أبداً.

ربما نكون – يا تشارلز – متأكدين أن الزوجة و صديقها الشاب تعاونا على هذا العمل لكنّ إثباته مسألة أخرى. و ليس بين أيدينا حتى الآن قضية بيّنة نرفعها إلى المدعي العام، و ما لم نحصل على دليل قطعي يدينهما فسيبقى هناك شك بغيض دائم، هل تفهم؟

- أجل، لقد فهمت.

- لم لا تلجأ إليها؟

- هل تقد أسأل صوفيا إن كنت..؟

ثم سكتُّ و ما زال العجوز يوميء برأسه بقوة:

- نعم نعم. لا أقصد أن تتحيّل و تخادعها من غير أن تصارحها. انظر ماذا تقول.

و هكذا حدث، خرجت في اليوم التالي مع رئيس المفتشين تافيرنر و الرقيب التحري لامب إلى سوينلي دين.

انعطفنا إلى طريق ضيقة وراء ملعب الغولف عند واحدة من البوابات، و سرنا بالسيارة على طول طريق ملتوية غطت الأعشاب جنباتها، و انتهت هذه الطريق إلى كومة من الحصى عند باب البيت.
عجبت لذلك البيت، و أحسسن أنه مشوّه غريب التصميم، و لعلّي قد عرفت السبب، فالبيت كان على هيئة كوخ تضخّم بصورة غير هندسية، كأنك تنظر إليه من خلال عدسة مكبّرة: عوارضه الخشبية مائلة، و أخشابه مسّندة... كان بيتاً صغيراً أميل كأنه نما كما ينمو الفطر في الليل!

و لقد عرفت الفكرة. فكرة صاحب مطعم يوناني فيها شيء من الإنكليزية، كان يريد أن يجعله بيت رجل إنكليزي مبني بحجم القلعة! تُرى، ماذا كان رأي السيدة ليونايدز حين رأته أول مرة؟ أظن أنها لم تستشر و لم تَرَ مخطط البناء بل الأرجح أنها كانت مفاجأة من زوجها الغريب، لكني أظنها عاشت فيه راضية.

و قال المفتش تافيرنر:

- إنه يحير الناظر قليلاً، أليس كذلك؟ كأن العجوز رأى في البيت حين بناه شيئاً كبيراً على شكل ثلاثة بيوت منفصلة مع مطابخها، و جُهّز في الداخل بمثل الفنادق الفخمة.

و جاءت صوفيا من الباب الأمامي حاسرة الرأس تلبس قميصا أخضر و تنورة من الصوف الخشن، فوجئت من رؤيتي و صاحت:

- أنت؟

- لقد جئت لأتحدث معك يا صوفيا، أين يمكننا أن نذهب؟

اعتقدت في البادية أنها سترفض، لكنها التفتت و قالت:

- من هذه الطريق.

- سرنا فوق المرجة، كان المنظر رائعاً عبر ملعب الغولف في سوينلي دين، حيث كانت تبدو في الاتجاه المقابل مجموعة من أشجار الصنوبر فوق إحدى التلال، و الريف يمتد وراءها داكناً.

أخذتني صوفيا إلى حديقة صخرية، و جلسنا على مقعد خشبي بسيط غير مريح. قالت:

- حسناً؟

لم يكن صوتها مشجعاً. أخبرتُها عن دوري كلِّه و استمعتْ إليِّ بإصغاء شديد و كان وجهها يخبرك بما تفكر فيه، لكنها حين أتممت كلامي تنهدت عميقاً و قالت:

- إن أباك رجل ذكي جداً!

- الرجل العجوز له أهدافه، أظن أنها فكرة حقيرة، لكن...

قاطعتني قائلة: لا. ليست فكرة حقيرة على الإطلاق، بل هي الشيء الوحيد الذي قد يكون مفيداً. إن أباك يا تشارلز يعرف يقيناً ما يدور في دماغي، يعرفه أكثر مما تعرفه أنت.

و أطبقت كفيها بعنف يائس و قالت بحدّة:

- يجب أن أصل إلى الحقيقة. يجب أن أعرف!

- هل هذا بسبنا؟ لكن يا عزيزتي...

- ليس بسبنا فحسبُ يا تشارلز. يجب أن أعرف حتى يطمئن بالي. إنني لم أخبرك يا تشارلز الليلة الماضية، لكن الحقيقة هي.... إنني خائفة!

- خائفة؟

- نعم، خائفة، خائفة، خائفة. الشرطة يعتقدون، و والدك يعتقد، و أنت تعتقد، الجميع يعتقدون أن بريندا هي القاتلة.

- الاحتمالات...

- آه! إنها مجرد اختمالات. إنها ممكنة، لكن حين أقول: (من المحتمل أن بريندا فعلت ذلك) فإنني أدرك تماما أن ذلك ما هو إلا أمنية أتمناها؛ لأنني في الحقيقة لا أعتقد ذلك.

قلت بطء:

- ألا تعتقيدن ذلك؟

- لا أدري، لقد سمعتَ عن الجريمة من الخارج كما أردتُ لك ذلك، و الآن سوف أريك إياها من الداخل. إنني – بساطة – لا أشعر أن بريندا تفعل شيئا يوقعهل في الخطر؛ لأنها تحرص على نفسها كثيراً.

- و ماذا عن هذا الشاب لورنس براون؟

- لورنس جبان كالأرنب، ليست لديه الشجاعة لفعل ذلك؟

- عجيب!

- الناس يفاجئون بعضهم كثيراً، أحياناً تظن بإنسان شيئا فيكون ظنك خاطئاً، ليس دائماً، أحياناً..

و هزتْ رأسها و قالت:

- بريندا كانت تتصرف دائماً تصرفات مناسبة للنساء: تحب الجلوس في البيت و أكل الحلوى و لبس الثياب الجميلة و المجوهرات، و كانت تقرأ الروايات الرخيصة و تذهب إلى السينما.
و من الغريب أن جدي كان في السابعة و الثمانين لكنها كانت تحبه، كانت فيه قوة مؤثرة تجعل المرأة تشعر كأنها ملكة في قصرها! و لعلّه أقنع بريندا أنها امرأة متميزة، فقد كان ذكيا في معاملة النساء طوال حياته.

و تركت مشكلة بريندا و رجعت إلى كلمة قالتها صوفيا أزعجتني. سألتها:

- لماذا قلت إنك خائفة؟

ارتعشت صوفيا قليلاً و ضغطت على يديها و قالت بصوت خافت:

- لأن هذه خقيقة يجب أن تفهمها يا تشارلز. نحن – كما ترى – عائلة غريبة جداً، و هناك الكثير من القسوة في داخلنا... أنواع كثيرة من القسوة.

لعلّها رأت عدم الفهم بادياً على وجهي و لكنها استمرت تتحدث بنشاط:

- سوف أحاول أن أوضح ما أعنيه. جدّي – مثلاَ – كان يحدثنا ذات مرة عن صباه في اليونان، و ذكر عرضاً و بدون أي اهتمام أنه طعن رجلين بسبب شجار حدث هناك بصورة طبيعية تماماً و نُسي هذا الحادث. و لكن بدا غريباً الحديث عنه هنا في إنكلترا بهذه الطريقة العرضية غير المبالية.

أومأت برأسي موافقاً و أكملت صوفيا:

- كان ذلك نوعاً من القسوة. ثم كانت جدتي التي أكطاد لا أتذكرها، لكني سمعت عنها كثيراً. أظن أنها كانت قاسية أيضاً، و لعل سبب قسوتها افتقارها إلى الحنكة.
كل هؤلاء الأجداد صائدي الثعالب و الجنرالات العجائز الذين كان القتل يسري في دمائهم، نفوسهم مليئة بالغرور و الاعتزاز بالنفس، و لم يكونوا يخافون تحمل المسؤولية في المسائل التي تتعلق بالحياة و الموت.

- أليس في ذلك بعض المبالغة؟

- بلى، أظن ذلك، و لكنني أخاف هذا النوع كثيراً، إنه معتدٌّ قاسي الفؤاد. ثم هناك والدتي. كانت ممثلة. إنني أحبها، لكنها مغرورة و غير واعية ترى الشيء حسب تأثيره فيها و لا يهمها تأثيره في الناس. إن هذا مخيف!
و هناك زوجة عمي روجر. اسمها كليمنسي. إنها عالمة باحثة تقوم بإعداد أبحاث هامة جداً، و هي قاسية القلب أيضاً اذت دم بارد عديمة الإحساس. أما عمي روجر فهو عكسها تماماً: لعله ألطف و أحب امرىءٍ في العالم، لكن فيه حدة بغيضة، إذا أصابه أمر جعل دمُه يغلي ثم لم يعرف ما يفعله! و هناك أبي...

و توقفت طويلاً، ثم قالت ببطء:

- أبي يضبط نفسه. لا تعلم فيم يفكر، و لا يُظهر أي انفعال على الإطلاق. ربما يكون ذلك نوعاً من الدفاع اللاواعي عن النفس ضد والدتي المنغمسة في العاطفة، لكن ذلك يضايقني قليلاً في بعض الأحيان.

- أنت يا طفلتي تثيرين نفسك من غير ضرورة. إن الذي نفهمه في النهاية هو أن كل شخص ربما كان قادراً على ارتكاب الجريمة.

- أجل، حتى أنا.

- ليس أنت!

- لا يا تشارلز، لا تسْتثْنِني، أعتقد أن بإمكاني أن أقتل شخصاً.. و لكن إنْ حدث ذلك فلابد أن يكون من أجل شيء يستحق.

و ضحكتُ. لم أملك ألاّ أضحك، و ابتسمت صوفيا و قالت:

- ربما كنت حمقاء، و لكن كان يجب علينا اكتشاف الحقيقة حول وفاة جدي، يجب علينا. ليتها كانت بريندا..!

أحسست فجأة بالأسف على بريندا ليونايدز.
*****
الجزء الخامس

أقبلت علينا امرأة طويلة تمشي بخفة. كانت تلبس قبعة بالية، و تنورة لا شكل لها، و كنزة ثقيلة. و قالت صوفيا:

- إنها الخالة إيديث.

توقفت المرأة مرة أو مرتين لتنظر في أحواض الزهور، ثم جاءت إلينا فنهضتُ محيّياً.

- هذا هو تشارلز هيوارد يا خالتي – و التفتتْ إليّ – خالتي الآنسة دي هالفيلاند.

كانت إيديث دي هافيلاند امرأة في حدود السبعين من عمرها، شعرها رمادي غير مرتب، ذات نظرات خارقة لاذعة. قالت:

- كيف حالك؟ لقد سمعت عنك و علمت أنك عدت من الشرق. كيف حال أبيك؟

أجبتُها و قد تفاجأت:

- إنه بخير!

- أعرفه منذ كان صبياً، و أعرف أمه جيداً. أنت تشبهها. هل جئت لتساعدنا أم من أجل أمرٍ آخر؟

قلت متضايقاً:

- أرجو أن أساعدكم!

- لعل بعض المساعدة تنفعنا. إن المكان يعجّ بالشرطة الذين يراقبوننا من كل صوْب، و أنا لا أحب بعضاً منهم. لا ينبغي للولد الذي كان في مدرسة محترمة أن يعمل في الشرطة. لقد رأيت ابن مويرا كينول أمس يدير إشارة المرور في ماربل آرش... يجعلك تشعر كأنك في دوّامة!

و التفتت إلى صوفيا و قالت: إن الخادمة تسأل عنك يا صوفيا... السمك.

قالت صوفيا: يا إلهي! سوف أذهب و أتصل بالهاتف بخصوص ذلك.

أسرعتْ إلى البيت بخفة و تبعتها الآنسة دي هافيلاند ببطء، و سرتُ بجانبها. قالت:

- لا أعرف ماذا كنا سنفعل دون الخادمات؟ كل امرئ لديه خادمة عجوز. إنهن يغسلن و يكوين و يطبخن و يُنجزن الأعمال المنزلية... مخلصات. لقد اخترت هذه الخادمة بنفسي من سنين.

توقفتْ و اقتلعت نبتة من حوض زهور بقوة:

- نبتة كريهة، إنها اللبلاب، أسوأ نبتة: تلتف و تنعقد و لا نستطيع اقتلاعها بسهولة، فهي تمتد في الأرض.

و سحقتْ بعضاً من اللبلاب بقدمها ثم نظرت إلى البيت قائلة:
ما أسوأ هذا العمل يا تشارلز هيوارد! ما هو رأي الشرطة؟ أخشى أنني تعديتُ حدودي، يبدو أنه من الغريب الاعتقاد أن أريستايد قد تمسمم و مات! إنني لم أحبه قطّ، لكني لا أستطيع الاعتياد على فكرة موته. إن هذا يجعل البيت يبدو فارغاً!

و مضيتُ أصغي إلى إيديث دي هافيلاند و هي تروي ذكرياتها في البيت:
- لقد عشت دهراً طويلاً هنا، أكثر من أربعين عاماً. جئت إلى هذا البيت عندما توفيت أختي. هو طلب مني ذلك.. سبعة أطفال أصغرهم له سنة واحدة فكيف أتركهم للمربية؟ كان زواجهما مستحيلاً. كنت أشعر أن مارسيا قد سُحرتْ به: أجنبي قبيح و قزم خسيس! أعترف أنه أطلق يدي في البيت في إحضار المربيات و الخادمات و شؤون المدارس.

همستُ: و هل عشت هنا منذ ذلك الوقت؟

- أجل.. أمر عجيب! كنت أستطيع أن أغادر البيت عندما كبر الأطفال و تزوجوا. كنت مهتمة بالحديقة ثم كان هناك فيليب. لو أن رجلاً تزوج ممثلة فلا يمكنه أن يتوقع أن يحيا حياة عائلية. لماذا تنجب الممثلة أطفالاً؟ فحالما يلدن أطفالهن يسرعن إلى التمثيل في مسرح ريبَرْتوري في إيدَنبرغ أو أي مكا بعيد آخر. لقد أحسن فيليب عندما جاء إلى هنا... مع كتبه.

- و ماذا يفعل فيليب ليونايدز؟

- يؤلف الكتب. لا أعرف لماذا، فلا أحد يريد أن يقرأها، ليس فيها غير أخبار تاريخية مجردة لم نسمع بها، أليس كذلك؟

- بلى.

- كان عنده مال كثير. يجب على الناس أن يخالفوا نزواتهم و يكسبوا عيشهم.

- أليست هذه الكتب مربحة؟

- قطعاً لا. فيليب يستحق أن يكون مرجعا عظيما في عصور معينة، لكنه لم يكن مضظراً أن يجعل كتبه تدر عليه أرباحاً، فقد خصص له أريستايد ما يقارب مئة ألف جنيه! و من أجل أن يجنب أريستايد أبناءه ضرائب الإرث بعد موته جعل لكل واحد منهم نصيبه على حدة: روجر يدير مؤسسة للتجهيز الغذائي، و صوفيا تتلقى دخلاً كبيراً جداً، و أموال الأطفال تحت الوصاية.

- إذن فلا أحد يستفيد بشكل خاص من وفاته.

نظرت إلي نظرة غريبة.

- نعم، إنهم يستفيدون جميعاً، يأخذون مزيداً من المال كلهم، و لو أنهم طلبوه منه على أية حال لأعطاهم.

- هل عندك فركة عمن سممه يا آنسه دي هافيلاند؟

ردت بطريقة مميزة:

- لا. لقد أزعجني ذلك كثيراً. ليس جميلاً أن تفكّر أن شخصاً كهذا يتجول في البيت طليقاً. أظن أن الشرطة سوف يلصقون التهمة بالمسكينة بريندا.

- أليسوا على صواب في ظنهم هذا؟

- لا أدري. كانت تبدو لي دائماً شابة غبية تماماً مبتذلة... شابة عادية لا أظنها يمكن أن تضع له السم. لكن إذا تزوج رجل قريب من الثمانين فتاة في الرابعة و العشرين فلا شك أنها قبلت به من أجل المال. كنا نتوقع – حسب الأحداث – أن تصبح أرملة غنية في القريب العاجل، لكن أريستايد كان عجوزاً قوياً بصورة متميزة و لم يكن مرض السكريّ يؤثر على صحته، و ربما كان سيعيش عشرين عاماً أخرى! أعتقد أنها سئمت الانتظار.

قلت: في تلك الحالة...

قالت الآنسة دي هافيلاند بحدة:

- في تلك الحالة يكون الأمر طبيعيا. الأقاويل مزعجة طبعاً، لكنها – على أية حال – ليست من العائلة.

- أليس عندك أفكار أخرى؟

- و ما هي الأفكار الأخرى التي يمكن أن تكون عندي؟

تساءلت؟ كان عندي شك بأن هناك الكثير يدور في رأسها مما لا أعرفه و فكرت أن وراء غرورها و كلامها غير المترابط عقلاً يعمل بدهاء شديد، و قلت في نفسي: هل تكون الآنسة دي هافيلاند نفسها قد سممت أريستايد ليونايدز؟

لا تبدو الفكرة مستحيلة. و تذكرت كيف سحقت نبات البلاب بقدمها بقسوة تدل على الحقد.

و تذكرت كلمة قالتها صوفيا..((القسوة)). و اختلست نظرة إليها من طرف عيني. إنها تعطي سببا مقنعاً، لكن، ما الذي يبدو لإيديث دي هافيلاند سبباً مقنعاً؟

و للإجابة عن ذلك كان ينبغي أن أعرفها أكثر.

*****
الجزء السادس


انفتح الباب و دخلنا إلى قاعة رحبة على نحو مدهش فيها طقم من خشب البلوط الداكن و عليها نحاسيات برّاقة. و قالت إيديث:

- هذا جناح زوج أختي من البيت، و في الطابق الأرضي يعيش فيليب و ماجْدا.

دخلنا من جهة اليسار إلى غرفة استقبال كبيرة، حيطانها مدهونة بالأزرق الفاتح و أثاثها مغطى بقماش مطرز. و على الحيطان كانت صور و رسومات الممثلين و الراقصين و صوؤ من المسرحيات معلقة. و كانت فوق رف الموقد صورة لراقصي (الباليه)، و مزهريات كبيرة فيها زهور الأقحوان و القرنفل. و قالت إيديث أيضاً:

- أظنك تريد رؤية فيليب؟

هل كنت حقاً أريد لقاءه؟ لا أدري! كنت فقط أريد رؤية صوفيا، و هذا ما فعلته..

لقد ساهمتُ حقا في خطة الرجل العجوز، أبي، لكن صوفيا قد انسحبت الآن و لا بدّ أنها في مكان ما تتصل هاتفياً لتطلب السمك.

و لم أعرف كيف أبدأ العمل؟ هل أتقرب من فيليب ليونايدز كشاب يريدخطبة ابنته أم مجرد صديق عابر دخل البيت للزيارة أم كرجل مرتبط بالشرطة؟ لم تعطني الأنسة دي هافيلاند أي وقت لكي أفكر في سؤالها، الحقيقة أنه لم يكن سؤالاً بل كان إصراراً. قالت:

- سنذهب إلى المكتبة.

قادتني خارج غرفة الاستقبال عبر ممر طويل، ثم دخلنا من باب آخر. كانت غرفة فسيحة تملؤها الكتب، و لم تكن الكتب في الخزائنالتي وصلت حد السقف، بل كانت على الكراسيّ و الطاولات و حتى على الأرض. و مع ذلك لم تكن في حالة فوضى.

كانت الغرفة باردة كأن أحداً لم يدخلها، و كانت رائحة عفن الكتب العتيقة و شمع العسل تخرج منها. و بسرعة أدركت أن الغرفة تفتقر إلى رائحة التبغ، لم يكن فيليب مدخناً!

و عندما دخلنا نهض فيليب من وراء طاولته كان رجلاً طويلاً أنيقاً في حوالي الخمسين من عمره.

كان الناس يذكرون كثيراً قبح أريستايد ليونايدز، فتوقعت أن يكون ابنه قبيحاً مثله، و لم أكن مستعداً لرؤية رجل كامل الأوصاف: الأنف المستقيم، الخط المتصدع في فكه، الشعر الأشقر الذي خطه الشيب و المصفف إلأى الخلف، و الجبهة الجميلة.

قالت إيديث:

- هذا تسارلز هيوارد يا فيليب.

- ها! كيف حالك؟

لا أدري إن كان فيليب قد سمع بي من قبل؟ فقد صافحني برود و لم يكن وجهه فضولياً، وقف دون اهتمام. و سألته إيديث:

- أين رجال الشرطة البغيضون؟ هل جاؤوا إلى هنا؟

- أظن أن رئيس المفتشين – و نظر في بطاقة على الطاولة – تافيرنر قادم ليتحدث معي في الحال.

- أين هو الآن؟

- لا أدري يا خالتي إيديث، أظن أنه بالطابق العلوي.

- مع بريندا؟

- لا أعرف.

عندما تنظر في وجه فيليب ليونايدز لن تصدق أن جريمة وقعت قريباً منه. سألته إيديث:

- أماتزال ماجدا فوق؟

- لا أعلم، في العادة لا تذهب هناك قبل الحادية عشرة.

قالت إيديث:

- هذا الصوت يشبه صوتها.

الصوت الذي كان يشبه صوت السيدة ماجدا كان صوتاً عالياً يتحدث بسرعة كبيرة و يقترب بسرعة. و انفتح الباب من خلفي بقوة و دخلت امرأة كأنها ثلاث نساء لا واحدة!

كانت تدخن لفافة في مِمْسك طويل، و تلبس ثوبا فضفاضاً طويلاً من الساتان قرنفلي اللون تمسك به بيد واحدة، و كان شعرها الغزير المتموج مسترسلا على ظهرها، وجهها بلا مساحيق كأنه لوحة زيتية، و عيناها زرقاوين جاحظتين، و كانت تتكلم بسرعة و ينطلق لسانها بصوت جذاب قوي و نظق واضح! قالت:

- حبيبي فيليب، لا أستطيع احتمال ذلك، ألم تفكر في البلاغات؟ إنها لم تظهر في الصحف بعد و لكنها ستنتشر حتما. و لا أعرف ماذا ألبس في التحقيق؟ لن ألبس ثوباً أسود، ربما ثوبا أرجوانياً. و لم يبقى عندي كوبونات، لقد أضعت عنوان ذاك الرجل البعيض الذي يبيعها لي! إن الموقف قريب من شارع شيفتْسْبوري، و لو ذهبت هناك بالسيارة فإن الشرطة سيتبعونني و ربما يسألونني أسئلة سمجة، أليس كذلك؟ ماذا أقول لهم؟ ألا نستطيع أن نترك هذا البيت الكريه الآن؟ حرية. حرية! آه! إنه عمل غير لطيف. العجوز المسكين! نحن لم نتركه يوماً حين كان حياً. و كان يحبنا رغم كل المشاكل التي حاولت أن تثيرها تلك المرأة في الطابق الأعلى! إنني متأكدة أننا لو ذهبنا و تركناه لها لقطع عنا كل شيء. لو لم تكن امرأة مرعبة فظيعة لما وقفتْ كل العائلة في وجهها حين دخلت حياته و هو على باب التسعين! فيليب، أظن أن الفرصة الآن رائعة لنؤدي مسرحية ((لإيديث تومبسون))، هذه الجريمة ستعطينا الكثير من الدعاية مقدماً. لقد قال بيلدين ستين أنه يستطيع أن يجعل هذه المسرحية الشعرية الحزينة عن عمال المناجم ناجحة في أي وقت. إنه دور رائع! أعرف أنهم يقولون أنني يجب أن أقوم دائما بالأدوار الهزلية بسب شكل أنفي، لكنك تعلم يا فيليب أن في مسرحية ((إيديث تومبسون)) كثيراً من المشاهد الكوميدية. لعل المؤلفة لم تدرك ذلك. الكوميديا تزيد عنصر التشويق. إنني أعلم كيف أقوم بهذا الدور مبتذلاً و سخيفاً و كاذباً من أوله إلى آخره، و من ثم...

و مدت ذراعيها، فسطقت اللفافة من الممسك على طاولة فيليب المصنوعة من الماهوغانيالمصقول و جعلت تحرقه، فأمسكها فيليب بهدوء و ألقاها في سلة المهملات.

همست ماجدا و قد استسعت عيناها فجأة و تشنج وجهها:
- ثم يأتي الرعب!

بقيت علامات الخوف الشديد بادية على وجهها قليلاً، ثم انبسط وجهها و تجعد، و أصبحتمثل طفلة متحيرة توشك أن تبكي. و فجأة زال كل الانفعالات و سألتني بنبرة رسمية و قد التفتت إلي:

- ألا تعتقد أن هذه هي طريقة عرض مسرحية ((إيديث تومبسون))؟

وافقتُها. في تلك اللحظة استطعت أن أتذكر بغموض شديد إيديث تومبسون، لكني كنت مهتماً أن أبدأ بداية جيدة مع والدة صوفيا. قالت ماجدا:

- إيديث تشبه بريندا، أليس كذلك؟ هل تعرف أنني لم أفكر بذلك أبداً. غنه مشوق جدا، هل يجب أن أوضح هذا للمفتش؟

قطب الرجل الجالس وراء المكتب حاجبيه قليلاً ثم قال:

- لا حاجة يا ماجدا أن تَريْه على الإطلاق. يمكنني أن أخبره بكل شيء يريد معرفته.

ارتفع صوتها: لا أراه؟ بل يجب أن أراه. إنك يا حبيبي ضيق الخيال لا تفهم أهمية التفاصيل. سوف يرغب في معرفة كيف و متى حدث كل شيء بالضبط و سائر التفاصيل الصغيرة التي رأيناها و تعجبنا منها آنذاك.

قالت صوفيا و هي تدخل من البياب المفتوح:

- أمي، لا نريدك أن تخبري المفتش كثيراً من الأكاذيب.

- صوفيا، حبيبتي!

- أعرف أنك قد أعددت كل شيء و أنك تهيأت لأداء دور جميل جداً، لعلك حفظتِهِ بطريقة خاظئة. خاطئة تماماً!

- هراء.. أنت لا تعرفين.

- إنني أعرف. يجب أن تمثلي هذا الدور على شكل مختلف تماماً: تكونين متحفظة قليلة الكلام، تكبحين جماح لسانك و تحرصين على حماية العائلة.

ظهرت على وجه ماجدا ليونايدز حيرة طفلة ساذجة. قالت:

- حبيبتي، هل تظنين حقاً..؟

- أجل، أظن ذلك، احترزي في الكلام، هذه هي الفكرة.

ابتسمت الأم بسمة رضى عندما أضافت صوفيا قائلة:

- لقد صنعت لك بعض الشُكُلاته، إنها في غرفة الاستقبال.

- ها! جيد! أكاد أموت جوعاً.

وقفت عند الباب و قالت:

- ما أجمل أن يكون لك ابنة!

و لم أدرِ هل كانت تخاطبني أم تخاطب رف الكتب الذي فوق رأسي؟ ثم خرجت من الغرفة، فقالت اآنسة دي هافيلاند تخاطب صوفيا:

- الله أعلم بما ستقول أمك للشرطة!

- ستكون على ما يرام.

- قد تقول شيئاً!

- لا تقلقي. ستؤدي الدور كما يريد المنتج، و أنا المنتج.

و خرجت صوفيا وراء أمها ثم التفتت لتقول:

- هاهو رئيس المفتشين جاء يراك يا أبي. لن تمانع أن يبقى تشارلز هنا، أليس كذلك؟

أظن أنني لمحت بعض الحيرة على وجه فيليب ليونايدز، ربما، لكنه همس بصوت غامض:

- أوه بالتأكيد... بالتأكيد.

دخل رئيس المفتشين تافيرنر و قد بدا الحزم على ملامحه، أما سلوكه فكأنه كان يقول[IMG]file:///C:/Documents%20and%20Settings/Admin/My%20Documents/My%20eBooks/1/2/3/4/peerdagher/آغاثا%20كرستي/رواية%20البيت%20المائل%20للمبدعة%20الكبيرة%20أغاثا%20كريستي%20-%20ملتقى%20النخبه%20الثقافي_files/رواية%20البيت%20المائل%20للمبدعة%20الكبيرة%20أغاثا%20كريستي%20-%20ملتقى%20النخبه%20الثقافي_files/frown.gif[/IMG](سنتحمل بعض المكاره ثم نخرج من البيت و لا نعود أبداً، و لن يكون أحد أكثر سروراً مني بذلك.. أؤكد لك أننا لم نأت لنتسكع)).

لا أدري كيف فهمنا ما فعله من كلمة واحدة سوى أنه سحب كرسياً إلى الطاولة. و جلست غير متطفل بعيداً قليلاً. قال فيليب:

- نعم حضرة المفتش؟

قالت الآنسة دي هافيلاند فجأة:

- هل تريدني يا حضرة المفتش؟

- ليس الآن يا آنسة دي هافيلاند، ربما، من بعدُ، أتحدث معك قليلاً.

- بالطبع، سأكون في الطابق العلوي.

و خرجت دي هافيلاند و أغلقت الباب وراءها. و قال فيليب مرة ثانية:

- حسنا يا حضرة المفتش؟

- أعلم أنك رجل أعمال منشغل جداً و لا أريد أن أعوّقك كثيراً، لكن شكوكنا ربما تصير من بعدُ مؤكدة. إن أباك لم يمت ميتة طبيعية، بل مات من جرعة زائدة من مادة سامة: ((فايسوستجماين)) و هي معروفة عادة ((الإيسيرين)). هل يوحي لك هذا شيئاً؟

- و ماذا يوحي؟ إن رأيي أن أبي لابد قد أخذ السم دون قصد.

- هل تعتقد ذلك حقيقة سيد ليونايدز؟

- نعم، هذا يبدو لي ممكناً تماماً؛ لأنه كان قريبا من التسعين و بصره ضعيف!

- لذلك فرغ محتويات زجاجة قطرة العين في زجاجة الأنسولين. هل يبدو هذا اقتراحاً معقولاً يا سيد ليونايدز؟

لم يُجبه فيليب حتى أن وجهه أصبح خالياً من التعبير. و أ:مل التافيرنر:

- لقد وجدنا زجاجةو القطرة فارغة في سلة المهملات و ليس عليها بصمات، و هذا شيء غريب بحد ذاته، ففي الأحوال الطبيعية كان يجب أن يكون هناك بصمات أصابع، قد تكون بصمات أبيك أو بريندا أو الخادم...!

رفع فيليب بصره:

- الخادم؟ ماذا عن جونسون؟

- هل ترى أن جونسون هو المجرم؟ إن لديه فرصة بالتأكيد. لكن عندما نصل إلى الدافع يكون الأمر مختلفاً. كان من عادة أبيك أن يدفع لجونسون مكافأة كل عام، و في كل سنة كانت المكافأة تزيد؛ لأن جونسون يعلم أن تلك المكافآت هي بدل من نصيبه في الوصية. و الآن بعد سبع سنين، بلغت المكافأة من الخدمة مبلغاً كبيراً يأخذه كل عام و ما زالت تزيد. و من مصلحة جونسون أن يعيش أبوك طويلاً، كما أنهما كانا متحابّين كثيراً، و سجل جونسون من خدمته السابقة لا يرقى إليه الاتهام. إنه خادم ماهر جداً و مخلص! إننا لا نشل فيه.

- فهمت.

- و الآن يا سيدي، هل تعطيني وصفاً مفصلاً لتحركاتك في اليوم الذي حدثت فيه وفاة والدك.

- أجل يا حضرة المفتش: كنت هنا في هذه الغرفة طوال اليوم باستثناء أوقات وجبات الطعام.

- ألم تَرَ والدك على الإطلاق؟

- قلت له: ((صباح الخير)) بعد الإفطار، و هي عادتي.

- هل كنتما وحدكما عندئذ؟

- كانت... كانت زجة أبي في الغرفة.

- و هل كان طبيعياً كالعادة؟

أجاب فيليب بسخرية مبطنة:

- لم يظهر عليه أنه سيقتل ذلك اليوم.

- هل جناح أبيك منفصل تماماً عن هذا الجناح؟

- أجل، لا مدخل إليه إلا من باب القاعة.

- و باب القاعة هل يظل مغلقاً؟

- لا. لم أعلم أنه يغلق.

- هل يستطيع أي واحد أن ينتقل بحرية بين دلك الجناح و هذا؟

- أجل. لقد كان مفصولاً من أجل راحة أهل المنزل.

- كيف بلغك أول مرة نبأ موت أبيك؟

- أخي روجر هو الذي يسكن الجناح الغربي من الطابق الذي فوقنا جاء هرولة ليخبرني أن أبي قد انتابته نوبة مفاجئة، و قال أنه يتنفس بصعوبة و أنه يبدو مريضاً جداً...

- فماذا فعلت؟

- اتصلت بالطبيب، حيث بدا لي أن أحداً لم يفكر في استدعائه. و كان الطبيب خارجاً فتركت له بلاغاً لكي يأتي من فوره ثم صعدت إلى الطابق الأعلى..

- و بعدها؟

- أبي كان في حال خطيرة. لقد مات قبل أن يصل الطبيب!

لم يكن في صوته أي انفعال، كان بيانا بسيطا عن الحقيقة!

- أين كان بقية أفراد العائلة؟

- زوجتي كانت في لندن و عادت بعد موته بوقت قصير، و أظن أن صوفيا كانت غائبة هي الأخرى. أما يوستيس و جوزيفين فقد كانا في البيت.

- أرجو أن لا تخطئ فهمي يا سيد ليونايدز لو أنني سألتك: كيف يؤثر بالضبط موت أبيك في وضعك المالي؟

- أقدر تماماً أنك تريد الحقيقة. لقد جعلنا مستقلين مادياً منذ سنين عدة. فقد جعل أخي رئيساً و مساهماً في شركة لتجهيز الأغذية، و هي أكبر شركة له، و وضع إدارتها تحت يده.
و لقد خصص لي ما أعتبره مبلغاً مساوياً: مئة و خمسين ألف جنيه على شكل سندات مالي مختلفة، و كان بإمكاني أن أستثمر رأس المال كيف أشاء. كما خصص نصيباً كبيراً أيضاً لشقيقتيّ اللتين توفيتا بعد ذلك.

- و رغم ذلك ظل رجلاً غنياً جداً؟

ابتسم فيليب لأول مرة ابتسامة باهتة و قال:

- لا، فقد احتفظ لنفسه بدخل متواضع نسبياً لكنه بدأ بمشاريع جديدة فصار أغنى من ذي قبل!

- لقد جئت أنت و أخوك للعيش هنا. هل كان ذلك بسبب صعوبات مالية؟

- كلا بالتأكيد، بل من أجل الراحة. كان أبي يرحب بنا دائماً لنعيش عنده، و لأسباب مختلفة كنت أرغب هذا. كنت أحب أبي كثيراً. جئت هنا مع أسرتي عام 1937. لا أدفع أجرة لكني أدفع نسبة من الضريبة.

- و أخوك؟

- أخي جاء هنا هارباً من الغارة الجوية التي دمرت بيته عام 1943 في لندن.

- و الآن يا سيد ليونايدز، هل لديك أية فكرة عن محتويات وصية والدك؟

- فكرة واضحة جداً. لقد أعاد أبي كتابة وصيته عام 1946. لم يكن والدي كتوماً و كان يهتم بأفراد العائلة، فعقد احتماعاً خاصاً للأسرة حضره محاميه الذي شرح لنا بنود الوصية، و أظنم أنك اطلعت عليها فلاشك أن السيد جيتْسْكيل قد أبلغك بها.
لقد أوصى بمئة ألف جنيه خالية من الضرائب لزوجته ناهيك عن ((هبة الزواج)) السخية التي حصلت عليها. ثم جعل أملاكه ثلاث حصص: واحدة لي، و الثانية لأخي، و الثالثة تحت الوصاية لأحفاده الثلاثة. إن البيت كبير لكن ضريبة الإرث ستكون كبيرة.

- و هل أوصى بشيء للخدم أو المؤسسات الخيرية؟

- لا. إن الرواتب التي تدفع للخدم كانت تزاد سنويا ما داموا في الخدمة.

- هل أنت – و عذراً لسؤالي هذا يا سيد ليونايدز – في حاجة ماسّة للمال؟

- ضريبة الدخل – كما تعرف يا حضرة المفتش – كبيرة، لكن دخلي يكفي حاجتي و حاجة زوجتي أيضاً. أضِفْ إليه أن والدي كان دائم العطايا، و إذا طرأت لنا حاجة كان يسدّها فوراً! تأكدْ أنْ ليس عندي أي ضيق مالي يدفعني إلى الرغبة في موت أبي يا حضرة المفتش.

- أنا آسف جداً يا سيد ليونايدز لا أعني هذا لكنّ علينا أن نحصل على جميل الحقائق. أخشى أنه يجب أن أسألك بعض الأسئلة الحرجة... هل كان والدك و زوجته سعيدين معاً؟

- حسب ظني كانا سعيدين تماماً.

- ألم تحدث بينهما مشاجرات أو خلافات؟

- لا أظن ذلك.

- ألم يكن بينهما فرْق كبير في السن؟

- بلى.

- اسمح لي: هل وافقت على زواج أبيك الثاني؟

- لم يطلب موافقتي على ذلك.

- هذا ليس جوابا يا سيدي.

- مادمت تصر فإنني أقول أن زواجه كان عملاً غير حكيم.

- و هل تنازعت معه من أجل ذلك؟

- عندما سمعت به كان الزواج تمّ و انقضى الأمر!

- هل صدمك الخبر؟

لم يُجبْه فيليب.

- هل غضبت من زواجه؟

- كان والدي حراً يفعل ما يشاء.

- كيف كانت علاقتك مع السيدة ليونايدز؟

- عادية.

- هل أنت على علاقة ودية معها؟

- إننا لا نكاد نلتقي.

غير تافيرنر موضوعه:

- هلا أخبرتني بشيء عن السيد لورنس براون؟

- أخشى أنني لا أستطيع! والدي هو الذي وظفه.

- لكنه كان يعلّم أطفالك أنت يا سيد ليونايدز.

- صحيح. كان ابني مصاباً بشلل الأطفال إصابة بسيطة و قد نصح الأطباء ألا نرسله إلى مدرسة حكومية، فأشار أبي أن نعيت له معلماً يعلمه هو و ابنتي الصغيرة جوزيفين، و كان الخيار في ذلك الوقت محدوداً؛لأن المعلم كان يجب ألاّ يكون مطلوباً للخدمة العسكرية آنذاك. كانت أوراق هذا الشاب مرْضية، و كان أبي و خالتي التي تعتني بالأطفال راضييْن عنه فأذعنت لهما، و أنا لم أجد عيبا في طريقة تعليمه، فقد كان مخلصا و يفي بالمطلوب.
- كان يسكن في جناح أبيك و ليس هنا، أليس كذلك؟

- في الطابق العلوي غرف كثيرة.

- أرجو ألا يسوؤك هذا السؤال: هل لاحظت ما يدل على علاقة غرامٍ بين لورانس براون و زوجة أبيك؟

- لم تتهيأ لي فرصة حتى ألاحظ شيئاً مثل هذا.

- ألم تسمع كلاماً أو ثرثرة في هذا الأمر؟

- أنا لا أصغي إلى الثرثرة يا حضرة المفتش.

- هذا جدير بالإكبار! إذن فأنت لم تسمع سوءاً و لم تر سوءاً و لا تريد أن تنطق بسوء، أليس كذلك؟

- إن كنت تريد أن تفهمها كطذلك، فلك ما تريد يا حضرة المفتش.

نهض تافيرنر و قال:

- حسناً، شكراً لك يا سيد ليونايدز.

و تبعته دون فضول خارج الغرفة فسمعته يقول:

- إنه رجل فاتر.

*****
الجزء السابع
قال تافيرنر:

- و الآن سنذهب لنتحدث مع السيدة فيليب. اسمها الفنّي هو ((ماجدا ويست)).

- و هل تفيدنا؟ أعرف اسمها، و لقد رأيتها في مسرحيات عدة لكن لا أذكر متى و أين؟

- إنها واحدة من فؤقة ((الأعمال الناجحة))، مثلتْ دور البطولة مرة أو مرتين في غربي إنكلترا، و قد نجحت و اشتهرت في المسارح الثقافية الرفيعة و أندية الأحد. أظن أنها لم تكن تعتمد على المسرح في كسب الرزق. كانت تستطيع أن تختار المسرحية التي تعجبها و تذهب حيث تشاء، و من وقت لآخر كانت تدفع المال من أجل عرضٍ فيه دور أحبته، و لم تكن ترضى بأي دور. النتيجة أنها تراجعت قليلاً إلى مرتبة الهواة أكثر من كونها ممثلة محترفة! إنها ممثلة جيدة لا سيما في الكوميديا لكن المخرجين لا يحونها كثيراً، يزعمون أنها لا تلتزم بالقيود و تثير المتاعب و المشاجرات و تستمتع بإثارة المنزعات بين الناس. لا أعرف مدى صحة هذا، لكنها غير محبوبة من قبل زملائها الفنانين.

خرجت صوفيا من غرفة الاستقبال و قالت:

- والدتي هنا يا حضرة المفتش.

تبعتُ تافيرنر إلى غرفة الاستقبال الكبيرة. في البداية لم أستط معرفة المرأة التي جلست على الأريكة المطرزة. كان شعرها يرتفع عالياً فوق رأسها بتسريحة من العهد الإدواردي، و كانت تلبس معطفاً أخضر أنيقاً و تنورة و قميصاً بنفسجياً باهت اللون مثبتاً عند الرقبة بدبوس صغير من الحجر الكريم.

أدركت لأول مرة سحر أنفها المائل الذي ذكّرني بأثين سيلر، و لم أصدق أن هذه المرأة كانت هي ذات المرأة العنيفة في الثوب المخملي الفضفاض! قالت:

- المفتش تافيرنر؟ هلا دخلت و جلست؟... هل تدخن؟ هذا عمل فظيع جداً! إنني أشعر الآن بالنفور من التدخين!

كان صوتها خافتاً و خالياً من العاطفة، صوت امرئٍ عازم على ضبط النفس مهما يكن الثمن، و قالت:

- أرجو أن تخبرني: هل أستطيع مساعدتك بشيء؟

- شكراً لك سيد ليونايدز: أين كنت يوم المأساة؟

- كنت قادمة في سيارتي من لندن حيث تناولت الغداء في ذلك اليوم في مطعم إيفي مع صديقة لي، ثم ذهبنا لنشاهد عرض أزياء و شربنا القهوة مع بعض الأصدقاء في بيركلي، و بعد ذلك انطلقتُ راجعة إلى البيت و حين وصلت رأيت كي شيء مضطرباً...

و ارتعش صوتها قليلاً و هي تقول: وجدت حماي قد أصابته نوبة فجأة... كان ميتاً!

- أكنت تحبين حماك؟

رفعت صوتها:

- كنت أحب...

ارتفع صوت ماجدا، و في تلك اللحظة مدّت صوفيا يدها بهدوء فعدّلت لوحة معلقة فوق الموقد، و في الحال انخفض صوت ماجدا:

- كنت أحبه كثيراً. كنا جميعاً كذلك.لقد كان طيباً جداً معنا!

- هل كانت علاقتك جيدة مع السيدة ليونايدز؟

- لم نكن نرى بريندا كثيراً.

- و لم كان ذلك؟

- لم تكن بيننا أشياء كثيرة مشتركة. مسكينة بريندا! لا بدّ أن حياتها كانت صعبة في بعض الأحيان.

مرة أخرى عبثتْ صوفيا باللوحة فوق الموقد.

- حقاً؟ و كيف؟

هزت ماجدا رأسها و ابتسمت بسمة حزينة قصيرة:

- آه! لا أدري.

- هل كانت السيدة بريندا سعيدة مع زوجها؟

- أظن ذلك.

- لأم تحدث بينهما مشاجرات؟

مرة أخرى هزت رأسها و هي تبتسم ابتسامة لطيفة:

- الحق أنني لا أعرف يا حضرة المفتش، فجناحهما من البيت منفصل عنا تماماً.

- ألم تكن هي على صداقة حميمة مع السيد لورنس براون؟

عبست ماجدا ليونايدز، فتحت عينيها تنظران إلى تافيرنر نظرة توبيخ، و قالت بوقار:

- ما كان ينبغي لك أن تسألني أسئلة كهذه. كانت بريندا محبوبة عندنا جميعاً، كانت امرأة لطيفة جداً!

- هل أنت راضية عن السيد براون؟

- إنه رجل هادئ لطيف، لكنك لا تحس بوجوده. أنا لم أره كثيراً!

- أأنت راضية عن تدريسه؟

- أظن ذلك، لا أعرف. و لكن كان فيليب يبدو راضياً.

جرّب تافيرنر أسلوب الصدمة:

- آسف لسؤالي هذا: هل كان هناك برأيك أي علاقة حب بين السيد براون و السيدة ليونايدز؟

نهضت ماجدا مثل سيدة من النبلاء و قالت:

- لم أرى أي دليل على شيء من هذا، و أحسب – يا حضرة المفتش – أنه ليس من حقك أن تسألني مثل هذا السؤال، فبريندا كانت زوجة حميّ.

استحسنت جوابها هذا. أما تافيرنر فقد وقف قائلاً:

- هل أستطيع أن أسأل الخدم هذا السؤال؟

لم تُجبْه ماجدا، فتابع: شكراً لك يا سيدة ليونايدز.

و خرج المفتش، فقالت صوفيا لأمها بحرارة:

- لقد أديت ذلك بشكل جميل يا حبيبتي.

فتلت ماجدا خصلة من الشعر وراء أذنها اليمنى و نظرت وجهها في المرآة. قالت:

- نعم... نعم. أعتقد أنني أديت عملي بالطريقة الصحيحة.

نظرت صوفيا إليّ و سألت:

- أما كان يجب أن تخرج وراء المفتش؟

- اسمعيب يا صوفيا، ما الذي ينبغي لي...؟

سكت لساني. لم أستطع سؤالها صراحة أمام أمها عن دوري الذي يجب أن أقوم به؛ لآن ماجدا لم تُبدِ – حتى الآن – أقل اهتمام بي. لعلي كنت في نظرها صحفياً أو مستشاراً عند ابنتها! ربما أكون صحفياً أو عيناً للشرطة أو حتى ناحوتياً، إذْ كل هذه الأشياء عند ماجدا واحدة؛ فالشرطي و الصحفي و الحانوتي كلهم عندها ((جمهور))! قالت ماجدا و هي تنظر إلى قدميها بسخط:

- هذا الحذاء تافه!

استجبتُ لحركة متعجرفة من صوفيا و أسرعتُ خارجاً وراء تافيرنر. لحقت به في الصالة الخارجية و هو يلج الباب إلى الدرج، قال:

- سأصعد لأرى الأخ الأكبر.

أوضحت له مشكلتي دون ضجة مستفسراً:

- أرجوك اسمعني يا تافيرنر! ماذا يفترض أن أكون؟

اندهش:

- ماذا يفترض أن تكون؟

- أجل، ماذا أفعل هنا، في هذا البيت؟ إن سألني أحدٌ فماذا أقول؟

فكر المفتش لحظة و قال:

- ها! فهمت... – و ابتسم –.. و هل سألك أحدٌ شيئاً؟

- لا.

- إذن فلِمَ لا تترك الأمر هكذا؟ لا تشرح أبداً. هذا أسلوب جيد، لا سيما في بيت مضطرب كهذا البيت: كل منهم شغلتْه مشاكله الخاصة و مخاوفه فلا أحسَبُه يفكر في أمرك. سوف يرضوْن بوجودك ما دمت تبدو واثقاً من نفسك. إن قول أي شيء خطأ عظيم ما دمت لا توجد ضرورة لذلك. و الآن هيا إلى الدرج، لا شيء مغلقاً هنا. أنت تفهم طبعاً أن هذه الأسئلة التي أسألها كلها هراء. إن الأسئلة عمن كان في البيت و من لم يكن غير هامة، أو: أين كانوا جميعاً في ذلك اليوم؟

- إذن فلماذا..؟؟

- لأنها فرصة لأنظر إليهم جميعاً فأكوّن انطباعاتي و أسمع ما يريدون قوله، ربما يعطيني أحدهم – بالمصادفة المخصة – مؤشراً مفيداً..

و صمت قليلاً ثم همس: أُقْسِمُ أن ماجدا ليونايدز يمكنها أن تكشف أشياء كثيرة لو أرادت ذلك.

- و هل تعتمد على كلامها هذا؟

- لا، لن يُعتمد عليه، لكن لعله يرشدنا إلى وجهةٍ ما في التحقيق! كل أحدٍ في هذا البيت الملعون له وسائله و فرصته. ما أسعى إليه هو الدافع.

عند رأس الدرج كان ثمة باب يسد الممر الأيمن و كان عليه مطرقة نحاسية. طرق المفتش البا كما ينبغي ففتحه رجل بدت في وجهه علامات الدهشة و المفاجأة. لا بد أنه كان يقف وراء الباب!

كان رجلاً عملاقاً لك كتفان قويان و شعر أسود جعد ووجهه قبيح إلى أبعد حدّ غير أنه وجه لطيف.

نظر إلينا ثم ردّ بصره بسرعة بتلك الطريقة المتحيرة ينظر بها الرجل الصادق الحييّ، و قال:

- تفضلا. نعم. أرجوكما! كنت أنوي الخروج لكن هذا لا يهم. تفضلا إلى غرفة الجلوس. سأنادي كليمنسي... ها! انت هنا يا حبيبتي؟ إنه رئيس المفتشين تافيرنر... هل عندنا تبغ؟ أرجوك انتظر لحظة.

اصطدم بِسُورٍ و قال مرتبكاً:

- أرجو المعذرة!

ثم خرج من الغرفة كالنحلة الطنانة التي تترك وراءها صمتاً!

كانت زوجته واقفة بجانب الشباك. أسرتني شخصيتها الجذابة و شدّت انتباهي الغرفة التي كنا نقف فيها. كانت الحيطان مصبوغة باللون الأبيض. الأبيض الحقيقي، غير العاجيّ و لا المائل إلى الصُّفرة، و لم يكن عليها من الصّور سوى واحدة فوق رف الموقد كانت عملاً هندسياً غير تقليدي: مثلثات رمادية داكنة و سفينة زرقاء!

كانت السيدة روجر تختلف عن السيدة فيليب تماماً. ماجدا ليونايدز قد تكون في دور ست نساء مختلفات، لكن كليمنسي ليونايدز – هو ما كنت متكأداً منه – لا يمكن أن تكون أبداً واحدة أخرى غير ذاتها: كليمنسي ليونايدز. كانت امرأة ذات شخصية حادة واضحة.

أظن أنها في الخمسين. شعرها رمادي قصير لكنه يزيد رأسها الصغير الجميل جمالاً! ووجهها رقيق يدل على الذكاء، و عيناها رماديتان تدلان على قوة غريبة حادة. و كانت تلبس ثوباً خمرياً من الصوف يناسب قوامها النحيف تماماً.

و شعرتُ فوراً أنها امرأة مذعورة؛ لأن مستوى المعيشة الذي تعيشه لم يكن ذلك الذي تعيشه امرأة عادية، و فهمت لماذا استخدمت صوفيا تعبير القسوة حين وصفتْها. ارتعشت قليلاً بسبب برودة الغرفة، و قالت كليمنسي بصوت هادء و لسان مهذب:

- اجلس من فضلك يا حضرة المفتس! هل عندك أخبار جديدة؟

- كان موته بسب الإيسيرين يا سيدة ليونايدز.

قالت متأملة:

- إذن فهذا يجعل الأمر جريمة قتل! ألا يمكن أن تكون حادثاً من أي نوع؟

- لا يا سيدتي.

- أرجو أن تكون لطيفاً مع زوجي يا حضرة المفتش، فهذا الأمر يؤثر فيه كثيراً. لقد كان يحب أباه كثيراً و هو مرهف الإحساس عاطفي إلى أبعد الحدود.

- هل كنتما على علاقة حسنة مع حماك يا سيدة ليونايدز؟

- نعم، علاقة حسنة تماماً. ثم أضافت بهدوء: و لكني لم أكن أحبّه كثيراً.

- لماذا؟

- لا تعجبني أهدافه في الحياة و لا أسلوبه في تحقيقها.

- و السيدة بريندا؟

- بريندا؟ لم أكن أراها كثيراً.

- هل تظنين أن من الممكن وجود علاقة بينها و بين السيد لورانس براون؟

تقصد علاقة حب؟ لا، لكني لم أكن أعلم شيئاً من ذلك.

بدا من صوتها أنها غير مهتمة.

رجع زوجها روجر مسرعاً بنفس حركته الطنانة المزعجة و قال:

- لقد تأخرت... مكالمة هاتفية. حسنا يا حضرة المفتش، ماذا هناك؟ حسنا، هل لديك أخبار؟ ما الذي سبب وفاة والدي؟

- كانت الوفاة بسبب التسمم بالإيسيرين.

- حقاً؟ يا إلهي! إذن لابد أنها تلك المرأة! لم تستطع الانتظار! لقد أخرجها من حياة الفقر، أهكذا جزاؤه؟ قتلته بدم بارد! يا إلهي! إن دمي يغلي عندما أفكر بهذا.

- هل لديك سبب محدّد يجعلك تعتقد ذلك؟

كان روجر يُراوح جيئة و ذهاباً و هو يشد شعره بيديه:

- سبب؟ لِمَ؟ من يمكنه أن يفعل ذلك غيرها؟ لم أكن أثق بها يوماً. لم أحبها ألبتة.لا أحد منا يحبها. لقد فزِعتُ أنا و فيليب حين دخل علينا والدي يوماً من الأيام و أخبرنا أنه تزوج! في مثل عمره؟ ذاك جنون... جنون! كان أبي رجلاً مدهشاً يعجبك يا حضرة المفتش. كان عقله مدبّراً كأنه في سن الأربعين. إن كل شيء أملِكُه هو من خيره و فضله. لقد فعل كل شيء من أجلي. لم يخذلني يوماً بل أنا الذي خذلته! إني كلّما ذكرتُ ذلك...!

و ألقى بنفسه على الكرسي بقوة، و جاءت إليه زوجته:

- كفى يا روجر! لا تجهد نفسك!

أمسك بيدها و قال:

- أعرف يا عزيزتي. أعرف، و لكن كيف أقعد هادئاً؟ كيف أتمالك نفسي؟

- يجب أن نبقى جميعاً هادئين. إن السيد المفتش يريد
مساعدتنا.

- هذا صحيح يا سيدة ليونايدز.

صاح روجر:

- هل تعلم ما أود أن أفعل؟ لو أنني أحنق تلك المرأة بيديّ كلتيهما! لقد ضنّتْ على ذلك العجوز بضع سنين من الحياة! يا ليتني أمسك بها!... – وقف روجر و هو يرتعش من الغيظ، و مدّ يديه المرتعشتين – أجل، كنت سألوي عنقها... ألوي عنقها.

زجرته كليمنسي:

- روجر!

نظر إليها خَجِلاً:

- آسف يا عزيزتي.

ثم التفت إلينا قائلاً: أسف فعلاً، لقد غلبتني مشاعري. إنني... اعذروني.

و خرج من الغرفة ثانية، و قالت زوجته في ابتسامة باهتة:

- الحقيقة أنه لا يستطيع أن يؤذي ذبابة!

قبِل تافيرنر كلمتها بأدب ثم شرع في أسئلته الروتينية.

- أين كنتما يوم مات السيد ليونايدز؟

- كان روجر في لندن في بوكْس هاوْس – و هو مركز شركة التجهيز الغذائي – ثم عاد في وقت مبكر من المساء و أمضى بعض الوقت مع أبيه، و هذه عادته. أنا كنت – كالعادة – في معهد لامبِرْت في شارع غورو حيث مكان عملي، و رجعتُ إلى البيت قبل السادسة.

- أرأيت حماك؟

- لا. كنت قد رأيته آخر مرة في اليوم الذي صبق وفاته و شربنا القهوة معه بعد العشاء.

- ألم تريْهِ يوم وفاته؟

- ذهبت – في الحقيقة – إلى جناحه من البيت لأن روجر حسِب أن ترك غليونه عند والده في غرفة نومه... غليون ثمين جداً، لكنني وجدته على طاولة الصالة هناك فلم أرغب أن أزعج العجوز. كان غالباًً ينام نوماً خفيفاً في حوالي السادسة.

- متى بلغك نبأ مرضه؟

- جاءت بريندا مسرعة. كان ذلك بعد السادسة و النصف بدقيقة أو اثنتين.

لم تكن هذه الأسئلة هامة كما علمت، لكني أدركت كيف يحرص المفتش تافيرنر أن يمعن النظر في المرأة التي كانت تجيب عن اسئلته.

سألها بعض الأسئلة عن طبيعة عملها في لندن فقالت أنه يتعلق بالتأثير الإشعاعي للتفجير النووي.

- إذن فأنت تعملين في حقل القنبلة الذرية، أليس كذلك؟

- عملي لا يمسّ القدرة التدميرية للقنبلة الذرية، فالمعهد ينفذ تجارب في التأثير العلاجي.

و عندما نهض تافيرنر أبدى رغبته في رؤية جناحهما الخاص من البيت فتفاجأت قليلاً لكنها أظهرت له استعدادها الكامل.

ذكرتني غرفة النوم بسريرها المزدوج ذي الأغطية البيضاء بالمستشفى أو بصومعة ديْرِ من الأديرة! أما الحمام فكان بسيطاً لا ترى فيه أي أداة رفاهية و لا مواد تجميل، و كان المطبخ خالياً من الأثاث نظيفاً و مجهزاً تجهيزاً جيداً بأدواتٍ من النوع العملي. ثم جئنا إلى باب فتحته كليمنسي قائلة:

- هذه غرفة زوجي الخاصة.

قال روجر:

- أدخلوا. تفضلوا.

أحسست بالطمأنينة... هاهو شيء من البساطة في مكان آخر من هذا البيت الأعوج الذي يثير في نفسي الكآبة.

كان في غرفته الشخصية مكتب كبير تبعثرت عليه الصحف و الغليونات القديمة و رماد التبغ، و كانت فيه كراسيّ كبيرة عتيقة. و السجّادُ العجمي يغطي البلاط، و على الحيطان صور باهتة لجماعات مدرسية و جماعة ((كالريكيت)) و الفصائل العسكرية، و رسومات بالألوان المائية للصحراء و المنارات و القوارب المبحرة و البحر و غروب الشمس. كانت غرفته صافية، غرفة رجل محب حنون و حلو المعشر.

كان روجر يصب لنا الليمون بطريقة غير بارعة من وجاجة و هو يُبعد الكتب و الصحف عن أحد الكراسي. قال:

- الغرفة فوضى! كنت أفرغ الغرفة و أتخلص من الصحف القديمة... قدم لنا الليمون ثم تابع كلامه ملتفتاُ إلى تافيرنر:

أرجو أن تسامحني... لقد فقد السيطرة على مشاعري.

و نظر حوله كأنه يشعر بالذنب، و لم تكن كليمنسي ليونايدز معنا في الغرفة ثم تابع.

- إنها رائعة، أعني زوجتي. رغم كل الذي جرى فهي رائعة! لا تدري كم أنا معجب بها! فقد عاشت وقتاً عصبياً مخيفاً قبل أن نتزوج أحب أن أخبرك عنه. لقد كان زوجها الأول رجلاً عظيماً – أقصد أنه ذو عقل عظيم – لكن جسمه كان ضعيفاً من مرض السل، و كان ينجز بحثاً قيماً في علم البلوريات، و كان راتبه قليلاً مع أنه كان متفوقاً في عمله. لكنه لم يستسلم، و قد كدحتْ من أجله فلم تجعله يعلم أن كان يموت، و لم تشتكِ بتاتاً و لم تتذمر، و كانت تبدو دائماً سعيدة!

ثم مات فحزنتْ عليه كثيراً، و أخيراً رضيتْ بالزواج مني، و كنت سعيداً جداً لأنني كنت قادراً أن أمنحها السعادة و الراحة. و قد رجوتها أن تترك العمل لكنها عرفت بالطبع أن العمل في الحرب كان واجباً عليها و ما تزال تشعر أنها يجب أن تستمر في عملها... زوجة رائعة! لقد كنت محظوظاً! كنت سافعل كل شيء من أجلها.

أجابه تافيرنر جواباً مناسباً ثم عاد إلى أسئلته السابقة من جديد:

متى بلغك أن أباك مريض؟

- أسرعت بريندا تناديني، قالت إن نوبة مرضية ما أصابت أبي، و كنت أجلس مع العجوز العزيز قبل ذلك بنصف ساعة فقط، و كان في صحة تامة! أسرعت إليه و كان يلهث و وجهه أزرق. نزلت مسرعاً إلى فيليب فاتصل بالطبيب. إنني... إننا لم نستطع أن نفعل شيئاً! لم أتخيل قطعاً و لا لحظة واحدة بأن هناك عملاً غريباً. غريب؟ هل قلت: غريب؟ يا إلهي يبا لها من كلمة استخدمتها.

و ببعض الصعوبة خلصنا أنفسنا أنا و تافيرنر من الجو العاطفي لغرفة روجر ليونايدز، و وجدنا أنفسنا خارج الباب مرة أخرى عند أول الدرج. قال تافيرنر:

- إنه مختلف تماماً عن أخيه... أشياء و غرف غريبة، هذا يخبرك كثيراً عمن يعيشون فيها.

- أجل.

- و غريبون هؤلاء الناس، و زواجهما غريب أيضاً أليس كذلك؟

لم أكن أعلم أكان يقصد كليمنسي و روجر أم فيليب و ماجدا؟ كانت كلماته تنطَبق على الزواجين لكن الزواجين كلاهما سعيد، كان زواج كليمنسي و روجر سعيداً حتماً. ثم سألني:

- هل يمكن أن يكون مجرما يضع السم؟ هل تقول عنه ذلك؟ لا أحسبه رجلاً خشناً. أما زوجته فالاحتمال لديها أكبر. إنها من صنف النساء عديمات الرحمة، و ربما كان بها مس من الجنون!

- لكني أظن أنها لن تقتل أحداً من الناس لمجرّد أن هدفه و أسلوب حياته غير مرضيين بالنسبة لها. ربما كانت تكره العجوز حقاً، و لكن هل تُرتكب جريمة بسب الكراهية الخالصة؟

- قليلاً جداً، و أنا لم أصادف حالة كهذه. لا. أظن أننا في حال أكثر أماناً لو اشتبهنا في السيدة بريندا، لكن أين الدليل؟

*****
الجزء الثامن


فتحت الخادمة باب الجناح المقابل و أصابها الخوف حين رأت تافيرنر و إن كانت مسحة من الإزدراء ظاهرة عليها. قالت:

- لعلك تريد أن ترى السيدة؟

- نعم، من فضلك.

و تقدمتنا إلى غرفة الجلوس الكبيرة و خرجتْ.

كان أثاثها يشبه ذاك الموجود في غرفة الاستقبال في الطابق الأرضي: قماش الريتون ملوناً بألوان زاهية، و ستائر حريرية مخططة، و لوحة فوق رف الموقد لفتت انتباهي، ليس من اليد البارعة التي رسمتها فحسب، بل أيضا بسبب الوجه الآسر لصاحب الصورة.

كانت رسماً لرجل ضئيل. عيناه داكنتان خارقتان، على رأسه قلنسوة من المخمل الأسود، و قد التصق رأسه بكتفيه. لقد كانت حيوية الرجل و قوته تشعّ من اللوحة، و بدا أن العينين اللامعتين أذهلتاني! قال تافيرنر:

- هذا هو. رسمها أوغسطس جون. إن شخصيته قوية، أليس كذلك؟

- بلى.

و فهمتُ معنى قول إيديث دي هافيلاند إذ قالت أن البيت يبدو يدونه خالياً. ما اغرب هذا الرجل الصغير املنحني: الذي بنى البيت الصغير المائل، فلما غاب فَقَد البيت الصغير المائل معناه! قال تافيرنر:

- و تلك زوجته الأولى هناك. رسمها سارجِنت.

أمعنتُ النظر في الصورة المعلّقة على الحائط بين الشبّاكين. كان فيها وحشية ما مثل كثير من رسوم سارجنت، و قد رُسِم الوجه بشكل مبالَغ فيه فظهر كأنه وجه فرس. كانت رسمة لسيدة إنكليزية تقليدية من الريف لا من طبقة النبلاء، أنيقة لكنك لا تلمح فيها معنى الحياة، سيدة لم تكن تبتسم، بل كانت مستبدة قوية!

انفتح البا و دخل الرقيب لامب قائلاً:

- لقد عملت اللازم يا سيدي، استجوبت الخدم جميعاً و لكني لم أحصل على أي شيء.

تنهد تافيرنر في حين أخرج الرقبيب لامب دفتره من جيبه و رجع بعيداً ثم جلس. و انفتح الباب مرة أخرى و دخلت زوجة أريستايد ليونايدز الثانية.

كانت تلبس ثوبا أسوداً فاخراً ستر بدنها كله. كان وجهها معتدل الجمال، و شعرها بنياً جميلاً مصففاً بإتقان، و على صدرها عقد لآلئ كبيرة، و كان في إحدى يديها خاتم من الزمرد و في الأخرى خاتم كبير من الياقوت.

نظرت إلى وجهها المزيّن فعرفتُ أنها كانت تبكي، و لاحظت أنها خائفة. و خاطبها تافثيرنر بلطف:

- صباح الخير يا سيدة ليونايدز، إنني آسف لإزعاجك مرة أخرى.

قالت بصوت فاتر:

- يبدو أنك مضطر لذلك.

- إن كنت ترغبين في دعوة محاميك يا سيدتي فهذا يوافق النظام تماماً، أليس كذلك؟

تسائلت إن كانت قد فهمتْ مدلول هذه الكلمات؟ من الواضح إنها لم تفهم. عبست و قالت:

- لا أحب السيد جيتْسْكيل و لا أريده.

- يمكنك أن تحضري محامياً خاصاً لك يا سيدة ليونايدز.

- هل يجب علي ذلك؟ أنا لا أحب المحامين، إنهم مزعجون.

تبسم تافيرنر و قال:

- الأمر إليكِ، إذن فهل نواصل؟

أمسك الرقيب لامب بقلمه و جلست بريندا ليونايدز على الأريكة في مواجهة تافيرنر و سألته:

- هل وجدتم شيئاً.

لاحظت أن أصابعها كانت تعبث بعقدة في فستانها باضطراب.

- نقول جازمين بأن زوجك قد تسمم بالإيسيرين و مات.

- تقصد أن قطرة العين تلك قد قتلته؟

- من المؤكد أن السيد ليونايدز حين حُقن بتلك الإبرة الأخيرة تسمم؛ لأن ما فيها كان إيسيريناً لا أنسوليناً.

- لم أكن أعلم ذلك. لا علاقة لي بهذا يا حضرة المفتش! حقيقة لم تكن لي أي علاقة!

- إذن فلا بد من أن أحداً غيّر الأنسولين عمداً و عبأ الزجاجة بالقطرة.

- يا له من عمل شرير! هل تظن أن أحداً قد فعلها عمداً أم أنه قد أخطأ؟ لا ينبغي المزاح هنا، أليس كذلك؟

- لا نظن أنها كانت مزاحاً يا سيدتي.

- لعله أحد الخدم...

لم يرد تافيرنر عليها.

- لا بد... لا أرى شخصاً آخر يمكن أن يفعل ذلك.

- هل أنت متأكدة؟ فكري يا سيدة ليونايدز، أليس عندك فكرة تفسر ما حدث؟ ألم يكن في البيت مشاعر غير ودّية؟ مشاجرات؟ أحقاد؟

حدقت إليه بعينين واسعتين جريئين، ثم قالت:

- ليس عندي أية فكرة.

- هل قلت إنك كنت في السينما ذلك المساء؟

- نعم، عدت في الساعة السادسة و النصف، وقت إبرة الأنسولين. حقنته الإبرة بهدوء ثم أصابته حالة غريبة. ارتعبت. اسرعت إلى روجر...

و علا صوتها و جعلت تتكلم كأن الهستيريا أصابتها: لقد قلت لك كل هذا آنفاً، هل عليّ أن أعبد كل هذا مرة تلو الأخرى؟

- أسف يا سيدتي! و الآن هل أستطيع أن أكلم السيد براون؟

- لورانس؟ لماذا؟ إنه لا يعرف شيئاً في هذا الشأن.

- لكني أريد أن أكلمه.

حدقت فيه بارتياب:

- إنه يدرّس يوستيس اللغة اللاتينية في غرفة الدرس، أتريده أن يأتي هنا؟

- لا، سوف نذهب إليه.

خرج تافيرنر من الغرفة سريعاً و تبعته أنا و الرقيب. قال الرقيب لامب:

- لقد أرعبتها يا سيدي!

و صعدنا بضع درجات ثم سرنا في ممر و دخلنا غرفة كبيرة تُشرف على الحديقة و فيها طاولة. جلس وراء الطاولة شاب أشقر الشعر وسيم في الثلاثين من عمره، و فتى أسمر في السادسة عشرة.

دخلنا عليهما فرفعا بصرهما إلينا. يوستيس، أخو صوفيا، نظر إلي، و نظر لورانس براون إلى رئيس المفتشين نظرة خوف. لم أرَ في حياتي رجلاً مشلولاً من الخوف مثله! وقف ثم جلس مرة أخرى. قال بصوت كأنه صرير:

- أوه! صباح الخير يا حضرة المفتش.

كان تافيرنر فظاً:

- صباح الخير. هل أستطيع التحدث إليك؟

- نعم، بالطبع، يسرني ذلك.

نهض يوستيس و قال بمرح:

- هل أمضي أنا يا حضرة المفتش؟

قال المعلم:

- سوف... سوف نواصل دروسنا فيما بعد.

خرج يوستيس مختالاً و عندما وصل البا وقعت عينيه عليّ فتبسم ثم أغلق البا وراءه. قال تافيرنر:

- حسنا يا سيد براون. إن بيان المختبر جازم تماماً: الإيسيرين هو ما قتل السيد ليونايدز.

- إنني... هل تقصد... أن السيد ليونايدز قد تسمم؟ كنت آمل...

قال المفتش بغلظة:

- لقد سُمِّم. شخص ما استبدل بالأنسولين قطرة الإيسيرين اللعين.

- لا أصدق. لا أصدق!

- من الذي أقدم على فعل ذلك؟

صرخ الشاب:

- لا أحد. لا أحد بتاتاً.

- هل تريد حضور محاميك؟

- ليس لي محامٍ... لا أريد محامياً. لا شيء عندي أخفيه... لا شيء!

- ألا تعلم أن أقوالك تُدوّن؟

- أنا بريء، أقسم إنني لبرئ!

- لم أقل بأنك مجرم.

سكت تافيرنر قليلاً ثم أضاف قائلاً:

- كانت السيدة ليونايدز أصغر من زوجها بستة عقود، أليس كذلك؟

- أظن ذلك... أقصد: نعم، هذا صحيح.

- لا بد أنها كانت تضجر من الوحدة أحياناً؟

ظل لورانس صامتاً و لم يُجبه، فقط مرّر لسانه على شفتيها الجافتين.

- إن وجود رفيق لها أصغر منها أو أكبر قليلاً يعيش هنا كان أمراً مناسباً، أليس كذلك؟

- إنني... لا، إطلاقاً... أقصد: لا أدري!

- يبدو لي أنه من الطبيعي أن تنشأ بينكما علاقة.

احتج الشاب بعنف:

- كلا، لم يكن، لا شيء من ذلك. أعرف ما تفكر به، و لكنك واهم. كانت السيدة بريندا كريمة جداً معي و كنت أكنُّ احتراماً عظيماً لها، لا شيء أكثر من هذا. أؤكد لك ذلك، إنه أمر بشع أن تقول هذا! بشع! لم أقتل احداً، و لم أعبث بالزجاجات! إن مجرد فكرة القتل عندي كابوس رهيب. لو دخلتُ المحكمة فسوف يتفهّمون أن لدي دوافع دينية تمنعني أن أقترف القتل!
لقد كنت أشتغل في المستشفيات و كنت قبلها أذكي النار في مراجل القطارات و هو عمل شاق لم أتحملْه، لكن الجيش أذن لي بالتعليم. لقد بذلت ما بوسعي من أجل يوستيس و جوزفين الطفلة الذكية و الصعبة، و كان كل واحد لطيفاً معي إلى أبعد حد: السيد ليونايدز و زوجته و الآنسة دي هافيلاند! و الآن يقع هذا الأمر الرهيب و أنت تشك فيّ، فيّ أنا... أنني قتلته؟

حملق المفتش تافيرنر إليه باهتمام و قال:

- أنا لم أقل هذا.

- لكنك تفكر فيه. أعلم أنك تفكر فيه، و هم جميعاً يفكرون فيه. إنهم ينظرون إلي... إنني لا أستطيع مواصلة حديثي معك! إنني متعب و متوتر الأعصاب!

و ناطلق خارجاً من الغرفة. التفت تافيرنر إليّ:

- حسنا؟ ماذا ترى فيه؟

- لقد خاف كثيراً!

- نعم أعرف، لكن هل هو القاتل؟

قال الرقيب لامب:

- أتدري يا سيدي؟ إنني أراه جباناً لا يجرؤ على ذلك أبداً.

وافقة رئيس المفتشين:

- إنه لن يضرب أحد على رأسه و لن يطلق رصاصة من مسدس. لكن ما عساه أن يفعل في هذه الجريمة السهلة؟ يعبث بزجاجتين فحسب، يُعِين رجلاً عجوزاً على الخلاص من هذه الدنيا بطريقة غير مؤلمة نسبياً.

- القتل الرحيم يا سيدي!

- ثم بعد ذلك، ربما بعد زمنٍ، يكون الزواج من امرأة ترث مئة ألف جنيه معفاة من الضريبة و لديها مئة ألف أخرى و كومة كبيرة من الياقوت و الزمرد – و تنهد تافيرنر – لكن هذا كله ظنون و تخمين. لقد نجحتُ في ارهابه، و لكن هذا لا يثبت أي شيء؛ لأنه كان سيخاف حتى لو كان بريئاً. و على أية حال فأنا لا أجزم أنه فعل ذلك، أرى أن امرأة هي التي فعلتها، و لن لماذا لم تَرْمِ قنينة الأنسولين بعيداً أو تغسلْها؟

و التفت إلى الرقيب يخاطبه: ألا يوجد دليل من الخدم؟

- الخادمة زعمت أنهما كانا يحبان بعضهما.

- و ماذا جعلها تزعم هذا؟

- نظراته إليها و هي تصب القهوة له.

- هذا أمر لا تستند إليه محكمة، ألا توجد أحداث واقعية؟

- لم يلحظ أحد شيئاً من ذلك.

- لو كان بينهما شيء لرآه الخدم. أتدري؟ لقد بدأت أعتقد أنْ لا شيئ بينهما!

و نظر تافيرنر إليّ ثم قال: ارجِعْ إليها و تحدثْ معها، أريد أن أعرف انطباعك عنها.

ذهبت و أنا شبه كاره رغم أنني كنت متشوقاً لذلك.

*****
الجزء التاسع

وجدت بريندا ليونايدز تجلس حيث تركناها، و لدى دخولي رفعت بصرها بحدة و سألتْ:

- أين المفتش تافيرنر؟ هل سيعود؟

- ليس بعد.

- من أنت؟

أخيراً سمعت السؤال الذي كنت أتوقعه طوال الصباح، و أجبتها بصراحة:

- أنا مرتبط بالشرطة، لكنني صديق للعائلة أيضاً.

- العائلة؟ إني أكرههم جمبعاً.

نظرت إليّ و فمها يتحرك و بدت عابسةً خائفةً و غاضبةً.

- كانوا دائماً يعاملونني بحقارة، منذ البداية. قالوا: لماذا أتزوج أباهم العزيز؟ و ماذا يهمهم من ذلك؟ لقد أعطاهم المال، لم تكن لديهم عقول لكي يجمعوا المال بأيديهم – و نظرت إليّ بجرأة - : لماذا لا يتزوج الرجل ثانية حتى لو كان كبيراً؟ إنه لم يكن طاعناً في السن، و قد أحببته كثيراً!

- فهمت. فهمت.

- لعلك لا تصدقني، لكنها الحقيقة. لقد سئمت الرجال. كنت أرجو بيتاً و عائلة و رجلاً يحنو علي و يقول قولاً جميلاً. أريستايد كان يؤنسني، و كان مرحاً، و ذكياً و كان يبتدع كل أسلوب حتى يجتنب كل هذه القوانين السخيفة! لقد فجعتُ بموته.

أسندت ظهرها إلى الأريكة و ابتسمت بسمة غريبة تدل على البلادة:

- كنت هنا سعيدة و آمنة، كنت أذهب إلى الخياطين المهرة الذين كنت أقرأ عنهم، و اريستايد قد أعطاني أشياء جميلة – و مدت يدها و هي تنظر إلى ياقوتة فيها – و كنت طيبة معه في المقابل.

رأيت يدها الممدودة كأنا مخلب القط، و سمعت صوتها الهادر، قالت و ما زالت تبتسم:

- ما العيب في ذلك؟ لقد كنت لطيفة معه و جعلته سعيداً!

و مالت إلى الأمام: هل تعلم كيف التقينا؟

و لم تنتظر جوابي:

- كان لقاؤنا في معطم شامروك. طلب بيضاً مقلياً على خبز توست، و عندما أحضرتُه له كنت أبكي. قال لي: ((اجلسي، و أخبريني مالي يحزنك)) فقلت له: (( لا أستطيع محادثتك لأنهم سيفصلونني من العمل إن فعلت)) فقال: ((لا، لن يفصلك أحد فأنا صاحب هذا المكان))! نظرت إليه. فكرت... إن الذي أمامي هو عجوز ضئيل الحجم غريب، لكن له شخصية جذابة!
و قصصت عليه الأمر كله! و أظنك ستسمع التفاصيل منهم ليقولوا لك بأنني سيئة، لكني لم أكن كذلك... لقد تربيت تربية حسنة، و كان لنا دكان رائع فيه أشغال و مطرزات. لم أكن يوماً من الفتيات اللاتي يتخذن أصحاباً من الشبان، أو يبيعن أنفسهن، لكن تيري كان مختلفاً... إيرلندي يسافر إلى ما وراء البحار، و لم يكن يكاتبني أبداً. كم كنت حمقاء!
و هكذا كان، وقعت في مشكلة تماماً مثل ما يصيب خادمة بائسة!... إريستايد كان رائعاً، وعدني أن أكون آمنة، قال إنه وحيد و أننا نستطيع أن نتزوج فوراً. و كان ذلك عندي كالحلم!
ثم عرفت أنه السيد ليونايدز العظيم الذي يمتلك أعداداً ضخمة من المحلات و المطعام و الأندية الليلية. كان ذلك مثل القصة الخيالية، أليس كذلك؟

قلت بتحفظ: نوع من القصص الخيالية.

- تزوجنا في كنيسة صغيرة في المدينة، ثم سافرنا للخارج. عاهدت نفسي أن أكون زوجة صالحة. كنت أطلب له كل أصناف تاطعام التي يشتهيها، و ألبس له الملابس التي يحبها، و أسعى دوماً إلى رضاه! و كان هو سعيداً. لكننا لم ننْجُ من عائلته، كانوا يأتون إليه فيعطيهم. العجوز دي هافيلاند كان يجب أن ترحل عندما تزوج، و أنا قلت هذا لكن أريستايد قال: ((إنها تعيش هنا منذ زمن طويل، البيت الآن بيتها)). كان زوجي يحب أن يكونوا حوله جميعاً و رغم أنهم كانوا يسيئون إليّ فلم يكن يلحظ ذلك أو يهتم به. إن روجر يكرهني! هل رأيت روجر؟ كان دائما يكرهني. إنه غيور. و فيليب كان متعجرفاً جداً و لم يكلمني ألبتة. و الآن يزعمون أنني قتلته و أنا لم أفعل، لم أفعل! أرجوك صدقني! أنا لم أقتله!

أثارت شفقتي. كان ازدراؤهم لها و تمنيهم أن تلتصق بها الجريمة يبدو في هذه اللحظة سلوكاً غير إنساني حتماً. كانت وحدها دون مدافع و لا حول لها و لا قوة. قالت:

- و إن لم يكن القاتل أنا، فهم يطنون أنه لورانس.

- و ماذا عن لورانس؟

- أنا آسفة كثيراً لأجله!... رجل لطيف لا يستطيع أن يقاتل، ليس جباناً لكنه رقيق المشاعر! و قد اجتهدت أن أساعده و أجعله يشعر بالسعادة. عليه أن يعلّم الأطفال الفظيعين. يوستس يهزأ به كثيراً، و جوزفين. هل رأيت جوزفين؟ لو رأيتها فستعرف حقيقتها.

- لم أر جوزفين بعد.

- أحيانا يكون عقلها غير طفولي. إن لها طرقاً حقيرة جداً، و هي تبدو غريبة الأطوار، إنها ترعبني أحياناً!

لم اكن أريد الحديث عن جوزفين فرجعتُ إلى موضوع لورانس براون و سألتها:

- من هو و من أين جاء؟

قالت بخجل:

- إنه ليس شخصا محدداً. إنه مثلي تماماً. أي حظٍ هذا الذي يجعلهم يعدوننا؟

- ألا ترين أنك أصبحت في حالة هستيرية بعض الشيء؟

- لا، لا أعتقد. هم يريدون أن يُعلنوا أن الفاعل هو أنا أو لورانس، و قد كسبوا ذاك الشرطي إلى صفّهم فأية فرصة لي إذن؟

- إهدئي... إنك تثيرين نفسك كثيراً.

- لم لا يكون الفاعل واحداً منهم؟ أو يكون القاتل شخصاً من الخارج أو خادماً من الخدم؟

- و لكن أين الدافع؟

- أوه! دافع؟ أيدافع لديّ أو لدى لورانس؟

شعرت بعدم الارتياح و أنا أقول:

- أظنهمو يعتقدون أنك أنت... و... لورانس... تحبان بعضكما، و أنكما تريدان الزواج.

نشزتْ كالسهم:

- هذا قول فظيع! ليس صحيحاً! إننا لم نقل كلمة من ذلك لبعضنا. كنت فقط أشعر بالأسف لأجله و حاولت أن أساعده فحسب، هذا كل ما في الأمر. انت تصدقني... أليس كذلك؟

أكدت لها بأنني أصدقها حقاُ، و أظن أنها و لورانس ليسا إلا صديقين، لكني كنت أشك أنها كانت تحبه فعلاً.

نزلت إلى الطابق السفلي لأرى صوفيا و في رأسي تلك الفكرة. و بينما أنا على وشك دخول غرفة الاستقبال أطلت صوفيا برأسها من أحد الأبواب في الممر و قالت:

- مرحباً! أنا أساعد ناني في إعداد الغداء.

كنت سأنضم إليها لكنها خرجت إلى الممر و أغلقت الباب وراءها و قادتني إلى غرفة الاستقبال و هي تمسك بذراعي، و كانت الغرفو خالية، فقالت:

- هل رأيت بريندا؟ ما قولك فيها؟

- بصراحة؟ إني مشفق عليها!

ضحكت صوفيا و قالت:

- فهمت. لقد كسبتك في صفها!

أحسست بالانفعال قليلاً و قلت: أرى الأمر من جانبها و من الواضح أنك لا تستطيعين رؤية ذلك.

- ماذا من جانبها؟

- قولي بأمانة يا صوفيا: هل كان أحد من العائلة لطيفاً معها أو يعاملها بعدل منذ جاءت إلى هنا؟

- كلا، لم نكن لطفاء معها، و لماذا نكون كذلك؟

- إن لم يكن من أجل شيء فمن أجل الوازع الأخلاقي.

- أنت تتحدث عن الأخلاق يا تشارلز؟ لابد أن بريندا قد أحسنتْ دورها جيداً!

- ماذا أصابك يا صوفيا؟

- هذا هو الصحيح. لقد سمعتَ بريندا، و الآن فلتسمعني: أنا أبغض المرأة الشابة التي تخترع قصة حظها العاثر و تتزوج عجوزاً ثرياً اعتماداً على هذه القصة. لا أحب هذا الصنف من النساء و لا أتظاهر بأنني أحبها بتاتاً. و لو قرأت أنت الحقائق مجردة في ورقة مكتوبة لما أحببت هذا الصنف أيضاً.

- و هل كانت قصة مخترعة؟

- ربما، هذا ما أعتقده أنا على الأقل.

- و هل ساءكِ أن جدك قد انخدع بهذه القصة؟

ضحكتْ صوفيا و قالت:

- جدي لم يكن مخدوعاً، لا أحد يستطيع خداع جدي العجوز! كان يريد بريندا. أراد أن يظهر في دور المنقذ لهذه الخادمة المتوسلة و هو يعلم تماماً ما يفعله، و قد تحقق ذلك على نحو جميل وفق خطة ما. إن الزواج – عند جدي – قد نجح نجاحاً كاملاً مثل سائر أعماله الأخرى.

سألتها ساخراً:

- و هل كان توظيف لورانس براون معلماً هو نجاحاً آخر من نجاحات جدك؟

قطبتْ صوفيا جبينها:

- لست متأكدة... لعله كذلك. أراد جدي أن يُسعد بريندا و يسليها. ربما كان يظن أن الجواهر و الثياب لم تكن تكفِ، و لعله قدّر أن شاباً مثل ليورانس براون – و هو رجل مروَّض في الحقيقة – سيقوم بعمل هذه الحيلة: الصداقة الجميلة المفعمة بالعاطفة المشوبة بالاكتبئاب ستمنع بريندا من عشق رجل غريب، أظن أن جدي قد حقق شيئاً بهذا الفتى، لقد كان عجوزاً شيطاناً! و لم يستطع التنبؤ أن ذلك سيقتله! – و صار صوتها عنيفاً – و أنا في الحقيقة أستبعد أنها فعلت ذلك، فلو كانت خططت لقتله أو اتفقت مع لورانس لعرف جدي ذلك و كشفه. أنت أيضاً تستبعده ، أليس كذلك؟

- نعم، أعترف بذلك.

- أنت لا تعرف جدي حقاً. لم يكن ليتغاضى عن مسألة قتله.

- بريندا خائفة يا صوفيا، خائفة جداً!

- أمِنْ رئيس المفتشين تافيرنر و رجاله العفاريت؟ نعم، هم مرعبون! ألا ترى لورانس في حالٍ هستيرية؟

- أمر طبيعي. لقد تصرّف أمامنا بشكل سخيف. أتساءل ما الذي يعجب هذه المرأة فيه؟

- ألا تفهم يا تشارلز؟ إن لورانس – في الحقيقة – جذاب!

قلت غير مصدق:

- رجل ضعيف كهذا!

- عجباً للرجال! لماذا تظنون أن رجل الكهف وحدَه هو الذي يجذب النساء ليس غير؟ - و نظرت صوفيا إليّ – إني أرى بريندا قد اصطادتك لا شك.

- لا تكوني شخيفة. إنها ليست حسناء. و هي حتماً ليست...

- ليست مغرية؟ بريندا ليست حسناء و لا هي ذات ذكاء حقيقة، لكنها تتمتع بصفة واحدة هي: القدرة على توليد المشكلات! و ها هي قد ولّدت مشكلة بيني و بينك!

- صوفيا!

انصرفت صوفيا إلى الباب:

- انسَ الأمر يا تشارلز. لابد أن أُتمّ إعداد الغداء.

- سأقوم معك لأساعدك.

- لا، ابقَ هنا. إن وجود رجل في المطبخ سوف يزعج ناني.

و خرجت فناديت:

- صوفيا!

- ماذا؟

- أسألك عن الخدم: لماذا ينقصُ الطابق الأرضي هنا خادمة، و الطابق العلوي فيه خادمة تلبس المريلة و تفتح لنا الباب؟

- كان عند جدي طاهية و مدبرة منزل و خادمة استقبال و خادم. كان يحب الخدم و يُعطي كثيراً لكي يجلبهم. أما كليمنسي و روجر فعندهما خادمة في النهار فقط لأعمال التنظيف فهما لا يحبان الخدم، أو أن كليمنسي لا تحبهم، و لو لم يكن روجر يأكل وجبة مشبعة في المدينة كل يوم لمات من الجوع؛ لآن كليمنسي لا تعرف من الطعام إلا الخسّ و الطماطم و الجزر. أما نحن فأحياناً يكون عندنا خدم ثم تصيب أمي إحدى نوباتها العصبية فيتركون المنزل! و عندنا خدم يعملون في النهار فترات قصيرة ثم يذهبون. ناني هي الدائمة عندنا و هي تنسجم مع حالات الطوارئ. و الآن قد عرفت كل شيء.

خرجت صوفيا. و جلستُ على مقعد مظرز أفكر.. في الطابق العلوي رأيت جانب بريندا من المسألة، و هنا – في الطابق الأرضي – رأيت جانب صوفيا منها فأدركت عدالة قول صوفيا – و هو ما اسميه نظرة أسرة ليونايدز – بأنهم يكرهون الغريبة التي دخلت البيت بوسيلة خسيسة. كانوا على حق تماماً كما قالت صوفيا: ((على الورق لا تبدو وجهة نظر حسنة))...

لكن فيها الجانب الإنساني، الجانب الذي رأيته أنا و لم يروه، فقد كانوا أغنياء يعيشون في برجٍ عاجي لو يذوقوا غصة المعاناة. بريندا ليونايدز كانت تريد الثروة و الأمان، و زعمت أنها – بالمقابل – جعلتْ زوجها العجوز سعيداً. لقد تعاطفت معها و أنا استمع إليها فهل أتعاطف معها الآن كذلك؟

للقضية جوانب و أبعاد مختلفة فأيها هو الصحيح؟

كنت قد نمتُ قليلاً جداً في ليلة الأمس، و قد استيقظت مبكراً لأرافق تافيرنر. و الآن، في هذا الجو الدافيء الذي تعبق فيه رائحة الزهور في غرفة استقبال ماجدا ليونايدز، استرخى جسدي فوق المقعد الكبير و سقطت جفوني. تبددت أفكاري و أنا أفكر في بريندا و صوفيا و صورة الرجل العجوز، ثم نمت.

*****

الجزء العاشر

أفقْتُ تدريجياً فلم أكن أدرك في البداية أنني كنت نائماً.

كان شذى الأزهار في أنفي. رأيت نقظة كبيرة بيضاء تطير في الفضاء، ثم بعد بضع ثوان أدركت أنني كنت أنظر إلى وجه بشر، وجه معلّق في الهواء على بعد قدم أو قدمين مني. و بعد أن استعدت إدراكي أصبحتْ رؤيتي أكثر دقة، و ما زال الوجه يوحي أنه وجه عفريت: وجه مدوّر فيه حاجبان منتفخان و شعر إلى الوراء و عينان سوداوان صغيرتان كأنهما خرزتان، لكنه كان حتما وجه إنسان صغير نحيل. كانت تنظر إلى نظرات حادة. قالت:

- مرحباً.

أجبتها و عيناي تطرفان:

- مرحباً!

- أنا جوزفين.

كنت قد استنتجت ذلك من قبل. كنت أعلم أن جوزفين أخت صوفيا في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمرها. كانت طفلة قبيحة مع شبة واضح بجدها، و لعل فيها عقلاً مثل عقله أيضاً. قالت جوزفين:

- أأنت رجل صوفيا؟

أقررتُ، فقالت:

- لكنك جئت هنا مع رئيس المفتشين تافيرنر، لماذا جئت معه؟

- إنه صديقي.

- حقاً؟ أنا لا أحبه، و لن أقول له شيئاً.

- و ما الأشياء التي لن تقوليها له!

- الأشياء التي أعرفها... أعرف أشياء كثيرة، فأنا أحب كثرة السؤال.

جلست على ذراعي الكرسي و أمعنت النظر في وجهي فتضايقت منها، قالت:

- جدي قد قُتل، هل عرفت؟

- أجل، عرفت.

- لقد تسمم بالإي... سير... ين – نطقتْ هذه الكلمة بحذر شديد – ألا يثير ذلك الاهتمام؟

- بلى.

- أنا و يوستيس مهتمان كثيراً. إننا نحب القصص البوليسية، و قد تمنيت دائماً أن أكون فتاة تَحرٍّ، و الآن أنا أتحرى و أجمع الأدلة.

أحسست أنها كالغول، و عادت إلى الموضوع:

- و هل صاحِبُ رئيس المفتشين الذي جاء معه محقق أيضاً؟ تدل الروايات أنك تقدر على كشف المحققين الذين يلبسون ثيابهم المدنية من أحذيتهم، لكن هذا المحقق يلبس حذاء سويدياً من القماش!

- لقد تغير الأمر القديم.

- أجل. فقد جدّت أشياء كثيرة الآن. سنذهب و نعيش في بيت في لندن عند الجسر. أمي تريد ذلك منذ زمن. ستكون فرِحة جداً، و أبي لن يمانع أن نحمل كتبه أيضاً، لم يكن يطيق ذلك من قبل، و كم خسِر من المال من أجل ((جيزبيل))!

- جيزبيل؟

- نعم، ألم ترها؟

- ها! هل كانت مسرحية؟ لا، لم أرها، كنت مسافراً.

- إنها لم تُعرض طويلاً، و الحقيقة أنها عمل فاشل، لا أرى أن أمي من الصنف الذي يناسب دور جيزبيل، أليس كذلك؟

فكرت في ماجدا، لا تناسبها شخصية جيزبيل، لا في الثوب القرنفلي و لا في بدلتها، لكنّ لماجدا صوراً أخرى لم أرها بعد. و قلت بحذر:

- ربما لا.

- جدي كان يقول دائماً أنها ستفشل في جيزبيل. قال إنه لن يدفع جُنيهاً من أجل تمويل هذه المسرحيات التاريخية القديمة. تشاءم بها جميعاً لكن أمي كانت متحمسة للمسرحية. أما أنا فلم أحب المسرحية كثيراً، لم تكن مثل القصة التاريخية الأصلية؛ فجيزبيل لم تكن شريرة بل امرأة وطنية و لطيفة جداً، و هذا ما يجعلها تبعث على السأم. لا بأس في نهايتها، فقد ألقوها من الشباك و لكن الكلاب لم تنهشها، أظن أن ذلك مؤسف، أليس كذلك؟ كنت أحب أن أرى الكلاب و هي تأكلها!
أمي قالت بأن سوْق الكلاب إلى المسرح شيء مساحيل، و لكني لا أفهم لماذا، فأنت تستطيع أن تجعل الكلب يؤدي دوراً ما.

ثم قالت جوزفين كلمة مقتبسة:

- ((و قد أكلتْها كلها سوى راحتيْها))! لمَ لم تأكل الكلام راحتيها؟

- لا أدري.

لعلّ الكلاب كانت مروّضة؟ إن كلابنا ليست كذلك... تأكل كل شيء!

فكرتْ جوزفين في هذا اللغز التاريخي بضع لحظات، و قلت لها:

- إنني آسف لأن المسرحية فشلت!

- نعم. كانت أمي كئيبة، فالتعليقات كانت مخيفة، و عندما قرأتها انفجرت بالبكاء و كانت تبكي طوال اليوم، و ألقت بطبق الإفطار على غليدز فنطقت غليدز بكلمة غريبة.

- أرى أنك تحبين الدراما يا جوزفين!

- لقد شرّح الأطباء جثة جدي ليعلموا سبب موته.

- أأنت آسفة على موته؟

- ربما، و لكني لم أكن أحبه كثيراً؛ لأنه منعني من تعلّم رقص الباليه.

- هل كنت تريدين تعلم رقص الباليه؟

- أجل، و كانت أمي ترغب أن أتعلمه و والدي لم يكن يمانع، لكن جدي زعم أن هذا لن ينفعني!

ثم سألتني بطريقة عارضة:

- هل تحب هذا البيت؟

- ربما، لست متأكداً تماماً.

- أظنه سوف يًباع إلا إذا قررت بريندا أن تمكث فيه، و أظن أن العم روجر و كليمنسي لن يرحلا الآن.

سألتها باهتمام كبير:

- أوكانا سيرحلان؟

- نعم، كانا سيرحلان يوم الثلاثاء بالطائرة إلى مكان ما، و قد اشترت كليمنسي حقيبة خفيفة جديدة.

- لم أسمع أنهما كانا سيرحلان.

- أجل، فلا أحد يعرف و هما لم يخبرا أحداً بذلك، و كانا ينويان أن يتركا رسالة لجدي من ورائهما, لم يكن سفرهما أكيداً... كان ذلك بالأسلوب الذي كانت الزوجات يفعلنه حين يتركن أزواجهن في الروايات القديمة، لكنه الآن فعل سخيف!

- بالطبع. جوزفين، هل تعلمين لماذا كان عمك سيرحل؟

نظرت إلي نظرة ماكرة من طرف عينيها:

- أظنني أعلم... ربما من أجل شيء ذي علاقة بمكتب العم روجر في لندن، لعله اختلس شيئاً.

- لماذا تظنين ذلك؟

اقتربت جوزفين مني أكثر و همست في أذني:

- يوم تسمم جدي كان عمي روجر مع جدي في غرفته و أغلق الباب بعد فترة طويلة. كانا يتحدثان و يتحدثان، و قال عمي روجر بأنه لم يعُد يصلح للعمل و أنه سيتخلى عن جدي... ليس بسبب المال، لكن بسب إحساسه أنه غير جدير بالثقة. لقد كان في حال سيئة.

- جوزفين، ألم يقل لك أحد أبداً أنه ليس جميلاً أن تتنصتي وراء الأبواب؟

هزت جوفين رأسها بقوة:

- لقد قالوا لي طبعاً، لكنك إذا أردت أن تكتشف شيئاً فعليك أن تتنصّت وراء الباب. أنا واثقة أن رئيس المفتشين تافيرنر يفعل مثلي، أليس كذلك؟

فكرتُ في هذه الكلمة و أردفت جوزفين:

- و على أية حال فإن كان تافيرنر لا يفعل ذلك فإن الرجل الآخر يفعله، ذلك الرجل الذي يلبس الحذاء السويدي، كما أنهم يفتشون أدراج الناس و يقرؤون رسائلهم جميعاً و يفضحون أسرارهم كلها... إنهم أغبياء لا يعرفون كيف يفتشون!

كانت جوزفين تتكلم بتفاخر قليل، و كم كنت أحمق لأنني لم أفهم رأيها هذا، و جعلت الطفلة البغيضة تتكلم من جديد:

- إني و يوستيس نعرف كثيراً من الأمور، و أنا أعرف أكثر منه و لكني لن أخبره به. إنه يزعم أن النساء لا يستطعن أن يتفوقْنَ في أعمال التحري لكني أقول بأنهن يستطعن. سوف أدون كل شيء في دفتري، ثم، عندما تتحير الشرطة تماماً أتقدم أنا إليهم و أقول لهم: ((أنا أعلم من فعل ذلك)).

- هل تقرئين قصصاً بوليسية مثيرة يا جوزفين؟

- كثيراً جداً.

- و أنت تعتقدين أنك تعرفين قاتل جدك؟

- نعم، لكن عليّ أن أكشف بعض الأدلة الأخرى – و سكتتْ قليلاً –.. هل يظن رئيس المفتشين تافيرنر أن بريندا هي التي ارتكبت الجريمة أ، أنها هي و لورانس معاً لأنهما يحبان بعضهما؟

- يجب ألا تقولي أشياء كهذه يا جوزفين!

- لم لا؟ إنهما يحبان بعضهما.

- إنك لا تعلمين، فلا تحكمي عليها.

- لم لا؟ هما يكاتبان بعضهما برسائل الحب.

- جوزفين، كيف عرفت ذلك؟

- لآنني قرأتها... رسائل عاطفية. لورانس رجل عاطفي، و كان خائفاً من القتال في الحرب. لقد ذهب إلى السراديب ليختبيء، و كان يعمل في إيقاد النار في السفن. حين كانت القنابل تسقط هنا كان وجهه يشحُب فأضحك منه كثيراً عندئذٍ، أنا و يوستيس!

لم أعرف ماذا أقول بعدها، و في تلك اللحظة توقفت سيارة في الساحة، فانطلقت جوزفين سريعاً إلى النافذة و ألزقت أنفها الأفطس بزجاج النافذة. سألتُها:

- من هذا؟

- إنه السيد جيتسكيل، محامي جدي. أظن أنه جاء ليناقش الوصية.

و أسرعتْ إلى خارج الغرفة و هي هائجة لكي تكمل أعمال التحري التي تنجزها. و جاءت ماجدا ليونايدز إلى الغرفة، و لشدة دهشتي اقتربتْ مني و أمسكت بيدي. ثم قالت:

- يا عزيزي، أشكر الله أنك ما تزال هنا، إني محتاجة إلى رجل.

و أفلتتْ يدي و ذهبتْ إلى كرسي له ظهر عالٍ و زحزحتْه قليلا عن مكانه و نظرت إلى نفسها في الرمآة، ثم رفعت علبة مزخرفة على طاولة و وقفت حزينةً تفتحها و تغلقها.

أدخلت صوفيا رأسها من الباب و قالت همساً تذكرّ ماجدا:

- جيتسكيل!

- أعرف.

دخلت صوفيا الغرفة بعد بضع لحظات يلحقها رجل عجوز ضئيل الحجم، و وضعت ماجدا علبتها المزخرفة و جاءت لمقابلته.

- صباح الخير يا سيدة فيليب. إنني ذاهب إلى الأعلى، فالظاهر أن هناك سوء فهم بخصوص الوصية. لقد كتب زوجك إليّ موحياً أن الوصية عندي، في حين كنت قد فهمت من السيد ليونايدز نفسه أن الوصية كانت في حوزته، لا أظنكم تعلمون شيئاً عنها، أليس كذلك؟

فتحت ماجدا عينيها بذهول:

- في شأن وصية الرجل المسكين؟ لا، قطعاً لا. لا تقل لي أن تلك الرمأة الشريرة في الطابق العلويّ قد أتلفتها.

هزّ المحامي أصبعه موبّخاً:

- و الآن يا سيدة فيليب. لا حاجة للظن الشيء، بل هو سؤال عن مكان الوصية!

- لكنه أرسلها إليك. أجل، أرسلها إليك حتماً بعد أن وقّعها، هو أخبرنا بذلك!

- أعتقد أن الشرطة قد قلّبوا أوراق أريستايد الخاصة. سوف أتناقش مع رئيس المفتشين تافيرنر في هذا.

و غادر الغرفة، فصرختْ ماجدا تخاطب صوفيا:

- لقد مزّقتْها يا حبيبتي. أنا على حق.

- هذا هراء يا أمي، إنها لم تكن لتفعل شيئاً غبياً كهذا.

- إنه ليس غبيّاً على الإطلاق: إذا لم تكن ثمة وصية فسوف ترث كل شيء!

- صه... ها هو جيتسيكل عاد مرة أخرى.

دخل المحامي الغرفة ثانية، و جاء معه رئيس المفتشين يتبعه فيليب. و قال جيتسكيل:

- لقد فهمت من السيدة ليونايدز أنه وضع الوصية في المصرف لتكون في مأمنٍ هناك.

هز تافيرنر رأسه نافياً:

- لقد اتصلت بالمصرف، ليس عندهم أية ورقة تخص السيد ليونايدز ما عدا سندات مالية معينة.

قال فيليب: إنني أتساءل إن كان روجر... او خالتي إيديث... و ربما صوفيا. هل تستطيع دعوتهم ليأتوا إلى هنا.

لم يكن روجر ذا فائدة حين دعي إلى الاجتماع. قال:

- هذا هراء، هراء بلا شك. والدي قد وقع الوصية و أعلن أنه سوف يرسلها بالبريد إلى السيد جيتسكيل في اليوم التالي!

قال السيد جيتسكيل و هو يستند إلى الكرسي مغمضاً عينيه نصف إغماض:

- إن لم تخني ذاكرتي فقد أرسلت له مسودّة وصية في الرابع و العشرين من تشرين الثاني من العام الماضي صغتها حسب إرشاد السيد ليونايدز نفسه، و قد وافق على المسوّدة و أعادها إلي، ثم أرسلت إليه بعد ذلك الوصية ليوقعها، و بعد أسبوع ذكرّته بأنني لم أستلم منه الوصية بعد توقيعها و تصديقها، و سألته إن كان يرغب في تعديلها، فردّ قائلاً بأنه راضٍ تماماً و سوف يرسل الوصية بعد توقيعها إلى المصرف الذي يتعامل معه.

قال روجر متلهفاً:

- هذا صحيح تماماً. كان ذلك في نهاية شهر تشرين الثاني من العام الماضي. أتذكر يا فيليب حين جمعنا والدي ذات مساء جميعاً و قرأ الوصية علينا؟

التفت تافيرنر إلى فيليب ليونايدز:

- أتذكره يا سيد فيليب؟

- نعم.

- آنسة صوفيا؟

- نعم، أتذكر ذلك تماماً.

سأل تافيرنر:

- و ما هي بنود تلك الوصية؟

أوشك جيستيكل أن يُجيب المفتش بطريقته الدقيقة لكن روجر سبقه قائلاً:

- كانت وصية بسيطة تماماً، فقد ماتت إلكْترا و جويس فعادت حصتهما من التسوية لوالدي. و قتل ويليام ابن جويس في معركة في بورما فذهب المال الذي تركه لأبيه. و قد بقي فيليب و أنا و الأطفال الأقرباء وحدنا عنده ليس سوانا. و قد فصّل والدي وصيته: خمسون ألف جنيه بلا ضرائب إلى الخالة إيديث، و مائة ألف بلا ضريبة إلى بريندا، و هذا البيت لبريندا أو نشتري لها بيتاً مناسباً في لندن حسب رغبتها هي.
و أما البقية فتُقسم ثلاث حصص: واحدة لي، و واحدة لفيليب، و الثالثة تقسم بين صوفيا و يوستيس و جوزفين، و حصة الاثنين الأخيرين تبقى تحت الوصاية حتى يبلغا السن القانونية. أظن هذا صحيحاً، أليس كذلك يا سيد جيستيكل؟

- بلى، إنها بنود الوصية التي صغتها بالضبط.

- لقد قرأها الوالد علينا و سألنا إن كان لنا أية ملاحظة على هذه الوصية، فلم تكن لنا من ملاحظة.

قالت الآنسة دي هافيلاند:

- بريندا قدمت ملاحظة.

قالت ماجدا بتلذذ: نعم، قالت بأنها لا تطيق احتمال حبيبها العجوز أريستايد و هو يذكر الموت؛ لأن هذا يوقع في نفسها الشعور بالذعر، و هي لا تريد شيئاً من ماله إن هو مات!

و علرقت إيديث دي هافيلاند فوراً:

- كان ذلك اعتراضاً تقليدياً يتناسب مع طبقتها الاجتماعية.

كانت هذه كلمة قاسية و عنيفة من دي هافيلاند، و أدركت فجأة كم تكره إيديث دي هافيلاند بريندا!

قال المحامي جيستيكل:

- إنه توزيع عادل و معقول جدا لأملاكه.

- و ماذا حدث بعد قرباءة الوصية؟

روجر: بعد أن قرأها وقعها.

مال تافيرنر إلى الأمام سائلاً:

- كيف وقعها و متى؟

نظر روجر إلى زوجته كأنما يستنجدها، فتكلمت كليمنسي و قد بدا بقية العائلة راضين:

- تريد أن تعرف ما الذي حدث تماماً؟

- أرجوك يا سيدة روجر!

وضع حماي الوصية على درْج مكتبه و دعا أحدنا – أظنه روجر – ليقرع الجرس ففعل. حين جاء جونسن ليجيب الجرس طلب حميّ منه أن يذهب و يدعو خادمة الاستقبال جانيت وُلْمر، و عندما جاء الاثنان وقع الوصية و أمرهما أن يشهدا و يوقعا باسميهما الحقيقين.

قال السيد جيستيكل:

- ذاك هو الصواب، يجب أن يوقع الموصي الوصية في حضور شاهدين يوقعان في الزمان و المكان نفسه.

- و بعد ذلك؟

- شكرهما حماي و خرجا، و أخذ الوصية و وضعها في مغلف طويل و أعلن أنه سوف يرسلها إلى السيد جيستيكل في اليوم التالي.

نظر رئيس المفتشين تافيرنر حوله و قال:

- هل توافقون جميعاً على أن هذا سرد دقيق لما حدث؟

و سمعنا همسات موافقة. ثم سأل تافيرنر كليمنسي:

- كانت الوصية على المكتب كما قلتِ. كم كانت المسافة بين أيٍّ منكم و ذلك المكتب؟

- لم تكن المسافة قصيرة جداً. ربما كان يبعد عنه أقربنا أربعة أمتار أو خمسة.

- أكان السيد ليونايدز يجلس خلف المكتب و هو يقرأ الوصية عليكم؟

- نعم.

- و هل نهض من مكانه أو ترك الكتب بعد قراءة الوصية و قبل توقيعها؟

- لا.

- هل كان بإمكان الخادمين قراءة الوصية حين وقّعها كلاهما؟

- لا، فقد وضع حماي ورقة بيضاء على الجزء العلوي من الوثيقة.

فيليب: أجل، فما كُتب في الوصية لم يكن يهم الخدم.

و بحركة سريعة أخرج تافيرنر ظرفاً طويلاً و انحنى ليسلّمه للمحامي قائلاً:

- انظر إلى هذا و أخبرني ما هو؟

أخرج السيد جيستيكل وثيقة مطوية من الظرف. نظر فيها مذهولاً و قلبها بين يديه مرة تلو الأخرى:

- إنها مفاجأة لا أفهمها بتاتاً!... هل لي أن أسألك أين كانت هذه؟

- في الخزانة الحديدية بين أوراق السيد ليونايدز الأخرى.

سأل روجر: و لكن ما هذه؟ لمَ كل هذه الضجة من أجلها؟

- هذه هي الوصية التي أعددتُها لوالدك ليوقعها يا روجر، و لكنها ليست موقعة!

- ماذا؟ أظنها مسوّدة.

- لا. لقد أعاد السيد ليونايدز المسوّدة لي، ثم صغت الوصية: هذه الوصية – و نقرها بأصبعه – و أرسلتها له كي يوقعها. و وفق شهادتكم فقد وقع الوصية أمامكم أجمعين و شهدها شاهدان، لكن هذه الوصية لم توقع!

صاح فيليب ليونايدز بقوة و جعل فمُه يهدُر:

- هذا مستحيل!

سأله تافيرنر:

- كيف كان بصر أبيك؟

- كان مصابا بالغلوكوما، و كان يضع نظارة سميكة عند القراءة.

- هل كان يضع هذه النظارة في ذلك المساء؟

- نعم، طبعاً، إنه لم ينزع نظارته إلا بعد أن وقع الوصية، أليس كذلك يا كليمنسي؟

- هذا صحيح تماماً.

- هل أنتم متأكدون أن أحداً لم يقترب من مكتبه قبل توقيع الوصية؟

قالت ماجدا و هي تغمض عينيها قليلاً:

- ترى لو أن أحداً يستطيع تصور ذلك مرة أخرى!

قالت صوفيا: لم يقترب احد من المكتب، و جدي جلس وراءه طوال الوقت.

- هل كان المكتب في نفس الموضع الذي هو فيه الآن؟ ألم يكن قريباً من الباب أو الشباك أو أية ستارة؟

- بل حيث هو الآن.

- إنني أجتهد أن أرى كيف تتغير أمكنة الأشياء، فلابد أن شيئاً قد تغير مكانه. لقد كان السيد ليونايدز عازماً أن يوقع الوثيقة التي قرأها لتوه عليكم.

روجر: ألا يمكن أن تكون التواقيع قد محيت؟

- لا يا سيد روجر. لابد أن تترك أثراً على ذلك. لعل هذه ليست الوثيقة التي أرسلها السيد جيتسيكل إلى السيد ليونايدز و التي وقعها في حضوركم.

قال السيد جيتسيكل: كلا، بل إن هذه هي الوثيقة الأصلية. في الورقة شق صغير في أعلاها إلى اليسار على شكل طائرة، لقد لاحظته آنذاك.

نظر الحاضرون إلى بعضهمُ البعض بذهول و أكمل جيتسيكل:

- إنها ظروف غريبة جداً لم يسبق لها مثيل خلال عملي من قبل!

قال روجر: إن الأمر كله غريب! كنا جميعاً هناك فكيف يحدث ذلك؟

سعلت الآنسة دي هافيلاند سعلة جافة و قالت:

- هذا كلام لا يجدي قطّ، كيف تقول في شيء قد حدث إنه لم يحدث... و ما هو الموقف الآن؟ هذا ما أودّ معرفته.

أصبح جيتسيكل في الحال محامياً حذراً. قال:

- تجب دراسة الموقف بحرص. إن هذه الوثيقة تبطل قطعاً كل الوصايا التي قبلها، و ثمة عدد كبير من الشهود الذي رأوا السيد ليونايدز يوقع بحسن نية ما كان يظنه يقيناً أنه هذه الوصية. هذا عجيب! إنها مشكلة قانونية صغيرة. لا بأس.

نظر تافيرنر إلى ساعته:

- أخشى أنني أؤخركم عن غدائكم!

سأله فيليب:

- ألا تبقى و تأكل الغداء معنا يا حضرة المفتش؟

- شكراً لك يا سيد ليونايدز، و لكني سأقابل الدكتور غراي في سوينلي دين.

التفت فيليب إلى المحامي:

- هل تتغدى معنا يا جيتسيكل؟

- شكراً لك يا فيليب.

نهضنا جميعاً. تقدمتُ إلى صوفيا و همستُ:

- هل أمكث أم أغادر؟

- أرى أنه من الأفضل أن تغادر.

و انسللْتُ بهدوء خارج الغرفة على أثر تافيرنر. كانت جوزفين تمشي جيئة و ذهاباً قرب باب أخضر يؤدي إلى الساحة الخلفية، و كانت تبدو مسرورة جداً من شيء ما. قالت:

- الشرطة أغبياء!

خرجت صوفيا من غرفة الاستقبال:

- ماذا كنت تفعلين يا جوزفين؟

- كنت أساعد ناني.

- بل كنت وراء الباب تتنصّتين.

نظرت جوزفين إليها باشمئزاز ثم انسحبت. و قالت صوفيا:
- هذه الطفلة جزء من المشكلة!

*****
الجزء الحادي عشر

وصلت إلى غرفة مساعد المفوض في سكوتلانديارد لأجد تافيرنر يُنهي سرده لتفصيلات التحقبيق قائلاً:

- و النتيجة أنني غادرتُهم و لم أحصل منهم على أي شيء! لا دوافع، لا أحد مهم كان معسراً، كل ما علمناه ضد بريندا و صديقها الشاب هو أنه كان يرمقها بنظراته عندما كانت تسكب له القهوة.

قلتُ: لا عليكم يا تافيرنر، يمكنني أن أضيف شيئاً أفضل من ذلك.

- حقاً؟ حسناً يا تشارلز، ماذا عندك؟

جلست أتحدث و قد أسندت ظهري إلى المقعد:

- كان روجر و زوجته يخططان للرحيل يوم الثلاثاء القادم، و قد التقى روجر مع والده لقاءً عاصفاً في اليوم الذي توفي فيه العجوز. اكتشف العجوز ليونايدز شيئاً غير طبيعي، و كان روجر يعترف أنه يستحق اللوم.

احمرّ وجه تافيرنر:

- من أين حصلت على هذه المعلومات؟ إن كنت حصلت عليها من الخدم...

- ماذا تقصد بقولك؟

- و إني أعترف – وفق القواعد المقررة في القصص البوليسية – بأنه – أو بالأصحّ بأنها – قد تفوقت على الشرطة. ثم إن التحري الخاص بي لديه أشياء خاصة ما يزال يحتفظ بها لنفسه.

فتح تافيرنر فمه ثم سكت مرة أخرى. أراد أن يسأل أسئلة كثيراً لكنه أدرك أن من الصعب أن يبدأ. ثم قال:

- روجر! أهو روجر ذلك الرجل؟

كرهت أن أفضي بهذا السر، فقد كنت أحب روجر ليونايدز. كرهت – و أنا أتذكر غرفته المريحة الجميلة و سحر الرجل الودود – أن ينطلق رجال العدالة علىأثره فيعتقلوه. ربما تكون أخبار جوزفين كلها غير موثوقة، لكنني – في الحقيقة – لم أكن أظن ذلك. قال تافيرنر:

- إذن الطفلة أخبرتك ذلك؟ إنها تبدو طفلة واعية لما يدور في ذلك البيت!

قال والدي معلّقاً:

- الأطفال هكذا في العادة.
لو كان هذا الخبر يقيناً فسوف يتغير الموقف كله. لو كان روجر كما زعمت جوزفين(يختلس)) أموال شركة الغذاء، لو كان الرجل العجوز قد كشف أمره فيلزم روجر و زوجته اسكات العجوز ليونايدز و مغادرة إنكلترا قبل اكتشاف الحقيقة... ربما يكون روجر قد ارتكب هذه الجريمة!

تم الاتفاق على إجراء التحقيق في شؤون شركة التجهيز الغذائي فوراً دون تأخير. قال والدي:

- لو أن ذلك الرجل غادر لكانت كارثة شاملة. إنها مسألة تهم أناساً كثيراً، فهي تتعلق بملايين الناس.

- لو كانت الشركة في أزمة مالية أو ورطة فسوف تتضح الفرضية: الأب يستدعي روجر، ينهار روجر و يعترف. بريندا ليونايدز كانت خارجاً في السينما، فما كان على روجر إلا أن يغادر غرفة أبيه إلى الحمام و يفرغ زجاجة الأنسولين و يضع فيها محلولاً خالصاً من الإيسيرين ثم يكون ما كان.

أو أن زوجته فعلتْها: صعدت إلى الجناح الأخر بعد أن عادت إلى البيت ذلك اليوم مدعيةً أنها ذاهبة لتحضر غليون روجر الذي تركه هناك. كان بإمكانها أن تصعد هناك لتغير المحلول قبل أن تعود بريندا إلى البيت لتعطيه الحقنة. إنها رابطة الجأش و تقدر على فعل ذلك!

أومأت برأسي و قلت:

- نعم. كأني أراها هي من فعل الجريمة، فإن لديها قدرة عجيبة على ضبط نفسها و لجم انفعالاتها، و لا أظن أن روجر يخطر بباله السم وسيلة؛ لأن حيلة الأنسولين فيها رائحة أنثوية!

قال والدي بغلظة:

- كثير من الرجال يستعملون السم في القتل.

تافيرنر: أعرف يا سيدي، أتراني جاهلاص؟ لكني لا أظن روجر من هذا الصنف.

- و هل تذكر بريتشارد يا تافيرنر؟ لقد كان بريتشارد مازجاً ماهراً للسم!

- إذن لنفترض أنهما كانا مشتركين فيها معاً.

قالها تافيرنر و انصرف، و قال والدي:

- أيخطر ببالك يا تشارلز أنها تشبه الليدي ماكبث في رواية شكسبير؟

تخيلت المشهد: المرأة الجميلة تقف قرب النافذة في غرفة متقشفة، و قلت:

- ليس تماماً، فقد كانت الليدي ماكبيث امرأة جشعة كثيراً، و كليمنسي ليونايدز غير جشعة. أظن أنها لا تهتم بالمال و لا تحرص أن تحوزه و تملكه.

- لكن ألا يهمها نجاة زوجها و سلامته؟

- بلى، و ربما تكون طبعاً قاسية القلب.
... هذا ما قالته صوفيا: (( قسوة القلب))!

رفعت بصري لأرى الرجل العجوز يراقبني:

- فيم تفكر يا تشارلز؟

و لكني لم أخبره حينئذٍ.
***
دُعيت اليوم التالي فوجدت والدي و تافيرنر معاً. كان تافيرنر مسروراً قليلاً، و قال والدي:

- إن شركة التجهيز الغذائي على شفير الهاوية.

قال تافيرنر:

- أجل... إنها عرضة للانهيار في أية لحظة.

قلت: علمت أن الأسهم نزلت في الليلة الماضية نزولاً حاداً، لكنها عادت و ارتفعت هذا الصباح.

قال تافيرنر: يجب أن نتحقق بحذر شديد. لا نريد تحقيقات مباشرة تسبب الذعر أو تروع صاحبنا الذي يريد الفرار، فلدينا مصادر خاصة و الأخبار أكيدة تماماً. شركة التجهيز الغذائي على شفير الهاوية و قد تعجز أن تفي بالتزاماتها. هي تعاني من فساد الإدارة منذ عدة سنين.

- إدارة روجر ليونايدز؟

- نعم، إن سلطته قوية كما تعلم.

- و قد اختلس مالاً...؟

- لا، لا نظن أنه فعلها. قد يكون روجر قاتلاً و لكننا لا نعتقد أنه محتال، و بصراحة لقد كان أبله لا يملك أدنى حد من الحكمة، كان ينطلق حين يلزمه أن يتوقف، و يتردد و يتراجع حيث يجدر به الانطلاق و التقدم، و كان يعتمد على رجال و يوكل إليهم أعمالاً هم آخر من توكل إليهم مثلها. إنه رجل يثق بالناس الذي لا يستحقون الثقة، و في كل مرة و كل مناسبة يعمل العمل الخطأ!

قال والدي: رأيت رجالاً من صنفه، لكنهم ليسوا أغبياء في الحقيقة. إنهم يخطئون في الحكم على الرجال فحسب، و يتحمسون في وقتٍ لا ينبغي فيه الحماس.

قال تافيرنر:

- إن رجلاً مثل روجر لا يجب أن يسند إليه عمل من الأعمال بتاتاً.

- لعله لم يكن ليصبح ذلك لولا أنه ابن أريستايد ليونايدز.

- كانت الشركة حين عهد العجوز إليه بها شركة ناجحة، و كان ينبغي أن تصبح ((منجم ذهب)). لكنني أراه جلس مستريحاً و ترك الشركة تدير نفسها!

هز أبي رأسه و قال:

- لا. لا شركة تدير نفسها بنفسها، في كل شركة قرارات يجب اتخاذها: فصل هذا و توظيف ذاك، و أسئلة حول سياسة الشركة، أما روجر فيبدو أن أجوبته كانت دائماً خطأ!

قال تافيرنر:

- هذا صحيح. إنه رجل مخلص: أبقى على الموظفين الفاشلين لأنه يميل إليهم أو لأنهم كانوا يعملون في الشركة منذ دهر بعيد! ثم كانت له أحياناً أفكار طائشة غير عملية و كان يصرّ على تجربتها رغم نفقاتها الباهظة.

ألحّ والدي قائلاً:

- و لكن ألا توجد مخالفة جنائية؟

- لا مخالفة جنائية.

سألتُه: إذن فلمَ يقترف جريمة القتل؟

- ربما كان أحمق لا محتالاً، لكن النتيجة واحدة. كان الشيء الذي ينقذ هذه الشركة من الإفلاس مبلغاً ضخماً يتم تدبيره قبل – فتح دفتره و قرأ – ... قبل الأربعاء القادم على أبعد تقدير.

- مبلغ كالذي يرثه حسب وصية والده، أليس كذلك؟

- بالضبط.

- لكنه لم يكن ليستطيع الحصول على ذلك المبلغ نقداً.

- لكنه سيسهّل له الحصول على اعتماد أو قرض مصرفي.

أومأ الرجل العجوز برأسه موافقاً، قال:

- ألم يكن أسهل عليه أن يذهب للعجوز ليونايدز فيطلبَ منه مالاً؟

- لقد فعل لاذلك، هذا ما سمعتْه الطفلة، فلعل العجوز رفض صراحة أن يدفع خشية من الخسارة ثانية. لقد ذهب روجر إليه.

أظن أن تافيرنر كان على حق، فقد رفض أريستايد لونايدز دعم مسرحية ماجدا و قال بأنها لن تجني أرباحاً في شباك التذاكر. ثم تبيّن أنه على حق. كان ليونايدز رجلاً كريماً مع عائلته لكنه لا يضيّع المال في مشروعات غير رابحة، كما أن الشركة يساهم فيها الآلاف و ربما مئات الآلاف. لقد رفض صراحة، و ليس أمام روجر لكي يتجنب الإفلاس إلا وفاة والده. نعم، لابد من دافعٍ بالتأكيد.

نظر والدي في ساعته و قال:

- طلبت منه أن يحضر، سيكون هنا الآن في أية لحظة.

- روجر؟

- نعم.

همستُ:

- قالت العنكبوت للذبابة: ((هلاّ أتيتِ إلى بيتي؟)).

نظر تافيرنر إلي مندهشاً! قال بقسوة:

- سنأخذ منه حذرنا و نحترس.

بدأ العمل، و حضر الكاتب. و في الحال قرع جرس المكتب ثم، بعد بضع دقائق، دخل روجر ليونايدز الغرفة متلهفاً مرتبكاً، و تعثرت قدمه بأحد الكراسي فتذكرت كلباً ضخماً ودوداً و في الوقت نفسه قررت جازماً أنه ليس هو الذي نفذ العمل و بدل زجاجة الإيسيرين بلأنسولين، إذن لكان يسكرها أو يسكبها أو ترجف يده و يفشل في الحيلة بطريقة أو أخرى. لا... لا شك أن كليمنسي هي الفاعل و إن كان روجر متهماً بعلمه هذا العمل.

تدفقت الكلمات من فمه:

- هل أردت رؤيتي؟ هل وجدت شيئاً؟ مرحبا يا شارلز. لم أرك. جميل منك أن تأتي هنا. و لكني أرجوك أن تخبرني يا سير آرثر...

إنه رجل لطيف، و لكن كثيراً من القتله كانوا رجالاً لِطافاً، و ذلك ما كان يؤكده أصدقاؤهم المذهولون بعد جرائمهم. و ابتسمت محيّياً.

كان أبي رجلاً حازماً هادئاً يحترس في حديثه، فجرت كلماته عفوية: الشهادة.. سوف تدون... لا إكراه... محامٍ...

أزاح روجر ليونادز كل هذه الأشياء جانباً غير صابر، و رأيت ابتسامة المفتش تافيرنر الساخرة على وجهه فعرفت ما يخطر باله، كان يقول في نفسه: ((إنهم واثقون من أنفسهم. هؤلاء الأشخاص لا يخطئون. إنهم أذكياء!)).

و جلست في زاوية من الزوايا و أضغيت. قال والدي:

لقد دعوتْك هنا يا سيد روجر لا من أجل أن أعطيك معلومات جديدة و لكن لأطلب منك بعض المعلومات التي كتمتها من قبل.

بدا روجر ليونايدز متحيراً:

- كتمتها؟ لكني أخبرتك بكل شيء، كل شيء دون كتمان!

- لا، لقد جرى بينك و بين الفقيد حديث في مساء يوم مقتله، أليس كذلك؟

- بلى بلى، شربت معه الشاي. لقد أخبرتكم بذلك.

- أجل، أخبرتنا بذلك، لكنك لم تخبرنا ماذا دار بينكما.

- لقد... كان... حديثاً ليس غير.

- فيم تحدثتما؟

- في الأمور اليومية: البيت، صوفيا...

- فماذا عن شركة التجهيز الغذائي؟ هل ذكرتماها؟

تمنيت ساعتئذٍ أن تكون جوزفين قد اخترعت القصة كلها، لكن هذا الأمل سرعان ما تلاشى، فقد تغير وجه روجر، تغير في لحظة واحدة إلى شيء قريب من اليأس، و قال:

- يا إلهي!

و جلس على كرسي و غطى وجهه بيديه. ابتسم تافيرنر كالقطة المطمئنة:

- أتعترف يا سيد روجر أنك لم تكن صريحاً معنا؟

- كيف عرفتم بذلك؟ كنت أظن أنْ لا أحد كان يعلمه. لا أفهم كيف علمه غيري؟

- لدينا وسائلنا الخاصة في معرفة هذه الأمور يا سيد ليونايدز.

و سكت سكتة مهيبة ثم قال:

- أظن أنك تفهم الآن. من الأفضل لك أن تخبرنا بالحقيقة.

- نعم، نعم. بالطبع سأخبركم. ماذا تريدون أن تعرفوا؟

- هل صحيح أن شركة التجهيز الغذائي توشك أن تنهار؟

- نعم. لقد فات الآوان فلا أستطيع إنقاذها الآن! إن الانهيار آتٍ لا محالة! ليت أبي مات دون أن يعرف ذلك! إنني أشعر بالعار و الخزي الشديد...

- و هل هناك احتمال لحدوث مقاضاة جنائية؟

انتصب روجر في مكانه متحداً:

- لا. سيكون إفلاس لكنه إفلاس شريف: سندفع للمساهمين عشرين شلنا لكل جنيه ناهيك عن موجوداتي الشخصية. إن الخزي الذي أصابني سببه أنني خذلت والدي! لقد كات يثق بي و عهد بهذا العمل إليّ و هو أكبر اهتماماته. كان العمل المفضل لديه. إنه لم يتدخّل يوماً و لا سألني عما كنت أفعله. كان يثق بي لكنني خذلته!

قال أبي بجفاف:

- هل قلت: ((لا توجد مقاضاة جنائية))؟ إذن فلم خططت أنت و زوجتك للسفر دون إعلان أو خبر؟

- و تعرف هذا أيضا؟

- أجل يا سيد ليونايدز.

انحنى روجر إلى الأمام:

- لم أكن أستطيع مواجهته بالحقيقة، خشيت أن يفهم أني أطلب منه مالاً كأني أستنجد به ليوقفني على قدميّ مرة أخرى. لقد.. لقد كان يحبني كثيراً، و كان سيساعدني، لكني لم أستطع... لم أستطع المواصلة. كانت المواصلة تعني ورطة مرة أخرى. إني لا أصلح لهذا العمل، فليست عندي القدرة عليه. أنا لست مثل أبي. كنت أعلم بنفسي منه، لقد حاولت فلم أنفع. كنت تعيساً جداً! يا إلهي! إنك لا تعرف تعاستي التي ذقتها و أنا أحاول الخروج من المشكلة و أرجو رضاه و آمل ألاّ أضطر للبوح بالأمر للرجل العجوز! و لكن لم يَبْقَ أي أمل في تجنب الكارثة.
زوجتي كلمينسي، تفهّمت الأمر و وافقتني الرأي، و فكرنا في هذه الخطة معاً. لم نقل لأحد شيئا: نهرب و ندع العاصفة تثور.
كنت ساترك لأبي رسالة أفصّل الأمر له فيها و كيف أنني كنت أشعر بالخزي، و أتوسل إليه أن يسامحني! كان طيباً معي دائماً!
لكنّ الوقت كان متأخراً إن هو أراد أن يفعل شيئاً. ما كنت أريد منه المساعدة، كنت أريد أن أبدأ من جديد في مكان آخر. أحيا حياة بسيطة متواضعة: أزرع البُنّ و الفواكه لتكون عندي ضروريات الحياة فقط. و كان ذلك صعباً على زوجتي، لكنها أقسمت ألا تمانع. إنها رائعة. رائعة دون ريب!

قال أبي بجفاء:

- و ما الذي جعلك تغير رأيك؟

- أغيّر رأيي؟


- نعم، لماذا عزمت أن تذهب إلى أبيك و تطلب منه المساعدة المالية بعد كل هذا؟

حَدَقَ روجر إلى أبي و قال مندهشاً:

- لكني لم أفعل ذلك.

- هيّا يا سيد ليونايدز.

- لقد أخطأ من أبلغكم ذلك. أنا لم أذهب إليه، بل هو أرسل في طلبي. كأنه سمع – بطريقة ما – من أهل المدينة. لعلها كانت إشاعة، لكنه كان يعلم ما يجري حوله دائماً. صارحني أبي، ثم، أخبرته بكل شيء و قلت له بأن رحيلي ليس بسب المال و إنما إحساسي أني خذلته بعد أن وثق بي!

ثم تغير صوت روجر و جعل يتكلم بانفعال:

- لا يمكنك أن تتخيل كم كان الرجل العجوز طيباً معي. لم يوبخني، بل كان لطيفاً. أخبرته أنني لا أريد المساعدة و أفضّل ألا يساعدني و أنه من الخير أن أرحل كما كنت أخطط، لكنه ما كان ليضغي إليّ. لقد أصر على إنقاذي و على دعم شركة التجهيزات الغذائية لتستأنف عملها من جديد.

قال تافيرنر بحدة:

- أتريدنا أن نصدق أن والدك كان ينوي مساعدتك مادياً؟

- كان ينوي ذلك يقيناً، و قد أوصى سماسرته هنا و هناك من أجل مساعدتي.

قرأ روجر الشك في عيون الرجلين، فاحمرّ وجهه و قال:

- ما زلت أحتفظ بالرسالة. كنت سأرسلها بالبريد، لكني نسيتها من... من الصدمة و الفوضى! ربما أحضرتها و لعلها في جيبي الآن.

أخرج محفظته و بدأ يبحث فيها، و أخيراً وجد ما كان يريده. أخرج ظرفاًمجعداً عليه طابع، و كان عنوانه(شركة غريتو ريكس و هانبري)). قال:

- فلتقرأْها بنفسك إن كنت لا تصدقني.

فتح والدي الرسالة، و ذهب تافيرنر وراءه. لم أر الرسالة وقتئذٍ لكني رأيتها من بعد: كانت تطلب من ((شركة غريتو و هانبري)) أن تسيّل استثمارات معينة و ترسل في اليوم التالي أحد أعضاء الشركة من أجل شروط معينة تتعلق بشؤون شركة التجهيز الغذائي. كان السيد أريستايد ليونايدز يتخذ الإجراءات اللازمة إيقاف الشركة على قدميها مرة أخرى.

احتفظ تافيرنر بالرسالة قائلاً:

- سنعطيك وصلاً بهذه الرسالة يا سيد ليونايدز.

أخذ روجر الصكّ و نهض قائلاً:

- هل من شيء آخر؟ هل فهمتم الآن الأمر كيف كان؟

قال تافيرنر:

- هل أعطاك السيد ليونايدز هذه الرسالة ثم غادرته، ماذا فعلت بعد ذلك؟

- رجعت سريعاً إلى جناحي الخاص في المنزل. كانت زوجتي قد دخلت لتوها فأخبرتها بنية والدي و كيف كان رائعاً. إنني – في الحقيقة – لم أعلم ماذا كنت أفعل!

- ثم مرض والدك، بعد كم من الوقت حدث ذلك؟

- دعني أتذكر... ربما نصف ساعة، أو ساعة. جاءت بريندا مسرعة خائفة، قالت بأنه يبدو غريباً. و قد... و قد انطلقت معها، لكني أخبرتكم بكل ذلك من قبل.

- خلال زيارتك الأولى لجناح والدك. هل ذهبت إلى الحمام المجاور لغرفته؟

- لا أظن. لا... لا... إني لم أفعل ذلك قطعاً. لماذا؟ لا. لا يمكن أن تظنوا أنني..

هدأ والدي مشاعر السخط المفاجئة. نهض و صافحه قائلاً:

- شكراً لك يا سيد ليونايدز! لقد ساعدتنا كثيراً، لكنْ كان يجب أن تخبرنا بهذا من قبل.

أغلق الباب وراء روجر. و نهضتُ لأنظر إلى الرسالة فوق طاولة والدي فيما رددّ تافيرنر متمنياً:

- يمكن أن تكون مزورة.

قال والدي: ربما. لكني لا أظن ذلك، علينا أن نقبل بها تماماً كما هي.
كان العجوز ليونايدز مستعداً ليخرج ابنه من هذه الورطة بطريقة فعّالة و هو ما يزال حياً بأفضل مما يستطيع روجر عمله بعد موته، لا سيّما بعد أن أصبح معروفاً الآن أن أحداً لم يجد الوصية فغدا نصيب روجر مشكوكاً فيه، و هذا يعني التأخير و العقبات، و حسب ما هي الحال عليه الآن فإن الكارثة قادمة! لا يا تافيرنر، ليس لدى روجر ليونايدز أو زوجته دافع لقتل العجوز. بل على العكس من ذلك...

سكت أبي و كرر كلمته الأخيرة متأملاً كأن فكرة خطرت له فجأة. سأله تافيرنر:

- ما الذي يدور في ذهنك يا سيدي؟

- لو أن أريستايد ليونايدز عاش 24 ساعة أخرى لكان روجر بخير! لكنه لم يعش 24 ساعة، مات فجأة بصورة مثيرة خلال ساعة أو أكثر قليلاً!

- هل تظن أن أحداً في البيت كان يسعى لإفلاس روجر؟ شخص له مصلحة مضادة، ألا ترى هذا؟

سأل والدي:

- ما هي حقيقة الوصية؟ من الذي يرث أموال ليونايدز في الواقع؟

تنهد تافيرنر عميقاً و قال:
- أنت تعلم مهنة المحاماة: المحامون لا تسمع منهم جواباً صريحا. هناك وصية سابقة كتبها حين تزوج بريندا. ثم هذه الوصية تقسم لبريندا النصيب نفسه، و أقل منه للآنسة دي هافيلاند و الباقي بين فيليب و روجر. لو لم تكن هذه الوزصية موقعة فإن الوصية القديمة ستكون معتمدة لكن الأمر يبدو صعباً. أولاً: إن كتابة الوصية الجديدة قد أبطلت السابقة، و عندنا شهود على إمضائها، و هناك ((نية الموصي)). لو تبين أنه مات و لم يوص إذن تفوز الأرملة بحصة مدى الحياة على أية حال!

- إذن فلو اختفت الوصية فإن بريندا ليونايدز هي أكثر الأشخاص انتفاعاً، أليس كذلك؟

- بلى. لو كان هناك خداع فلعلها تكون متورظة فيه. و من الواضح أن في الأمر خدعة، لكني لا أعلم كيف هي؟

لم اكن أعرف أنا الآخر. أظن أننا كنا حمقى؛ لأننا كنا ننظر للأمر من الزاوية الخطأ.

*****
الجزء الثاني عشر

خرج تافيرنر و مازلنا صامتْين. ثم قلت بعد برهة:

- كيف يكون شكل القتلة يا أبي؟

نظر الرجل العجوز متأملاً. كنا نفهم بعضنا جيداً ففهم ما كنت أفكر فيه حين سألته. و أجابني بجدية تامة:

- أجل. هذا مهم جدا بالنسبة لك، فقد أصبح القتل فريباً منك، فما عاد ممكنا أن نتظر إليه بعين المراقب البعيد.

كنت أهتم بعض القضابا المثيرة في المباحث الجنائية، لكني كنت – كما قال أبي – أطلّ عليها من بعيد. أما الآن فقد صار الأمر قريباً مني للغاية. و لا بد أن صوفيا قد أردكت ذلك بسرعة أكثر مما فعلت.

قال الرجل العجوز:

- لا أدري إن كنت أنا الذي ينبغي أن تسأله، أستطيع أن أوصلك باثنين من أطباء النفس الذين يؤدون أعمالاً لنا و تافيرنر يمكن أن يقدم لك بعض المعلومات الداخلية، و لعلك تريد أن تسمع رأيي أنا بسب خبرتي في المجرمين، أليس كذلك؟

قلت بامتنان:

- نعم، هذا ما أريده.

رسم والدي بأصبعه دائرة صغيرة على الطاولة:

- ما هو شكل القتلة؟

و ابتسم بسمة باهتة كئيبة و هو يضيف:

- بعضهم كان لطيفاً جداً.

لعلّي جفلتُ قليلاً. و استمر والدي قائلاً:

- نعم. كانوا لِطافاً مثلك و مثلي و مثل الرجل الذي خرج الآن روجر ليونايدز. القتل جريمة غير محترفَة. إنني أتحدث عن نوع الجرائم التي تفكر فيها و ليس جرائم العصابات. أشعر أحيانا كثيرة أن هؤلاء المجرمين اللطاف فوجئوا بجريمة القتل فاضطروا أن يرتكبوها بطريقة عارضة تقريباً، كأن يُحصَروا – مثلاً – في زاوية ضيقة أو أنهم يريدون شيئاً بإلحاح شديد كالمال أو المرأة، فيقتلون من أجلهما. إن الضمبير ساعتئذٍ يتعطل لديهم. الطفل يترجم رغبته في العمل دون وخز الضمير، و الطفل الذي يغضب على قطته يقول(سوف أقتلك))، و يضرب رأسها بمطرقة، ثم يحزن لأن القطة قد ماتت. كم من رضيع يحاولون أخذ رضيع من عربته ليغرقوه لأنه يلفت الإنتباه أو يعكّر ملذاتهم. إن الأطفال يعرفون في مرحلة مبكرة جداً أن هذا ((خطأ)) فإن فعلوه عوقبوا، لكن كثيراً من الناس لا ينضجون إنفعالباً بالقدر الكافي: يدركون أن القتل عمل خاطئ لكنهم لا يحسون به. لا أعتقد – حسب تجرِبتي – أنني رأيت قاتلاً أصابه الندم حقاً، بل هو يبحث عن تعلليل لما ارتكبه متجاوزاً نفسه: ((كان ذلك هو الطريق الوحيد))، أو ((هو – الضحية – الذي سعى إلى حتفه))... إلخ

- لو كان أحد يكره العجوز منذ زمن بعيد، فهل يكون الكره سباً لقتله؟

- كراهية فحسب؟ هذا بعيد جداً حسب ظني...

و نظر إليَّ بفضول قائلاً:

حين تقول(كراهية)) فإنني أظنه أنك تقصد أن الحب قد انقضى. كراهية الغيرة أمر مختلف؛ لأنه هذه تنشأ من التعلق و الإحباط. الناس يقولون بأن كونستانس كِنْت كانت تحب أخاها الرضيع الذي قتلته حباً كبيراً، لكننا نظن أنها كانت تريد نزع انتباه و محبة الآخرين له. الناس في الغالب يقتلون من يحبون أكثر من قتلهم من يكرهون؛ لأن الذين تحبهم هم وحدهم الذين يستطيعون أن يجعلوا حياتك لا تطاق!
لكن هذا لا يساعدك كثيراً، أليس كذلك؟ كأن الذي تريده يا تشارلز هو علامة ما أو إشارة تساعدك في كشف القاتل من بين أهل البيت الذي يبدون أناساً عاديين يبعثون على السرور، أليس كذلك؟

- نعم، هذا هو ما أريده.

- و هل ترى بينهم صفة مشتركة؟

و سكت قليلاً و هو يفكر ثم قال:

- لو كان كذلك فإنني أميل إلى القول بأنها الغرور.

- الغرور؟

- أجل، لم أَرَ قاتلاً غير مغرور. إن الغرور هو الذي يؤدي إلى كشفهم غالباً، ربما يخافون القبض عليهم، لكنهم لا يستطيعون كفّ نفوسهم عن التباهي و الاختيال، و هم عادة يكونون متأكدين أنهم أذكياء لا يمكن أن يمسك بهم أحد، و هنا شيء آخر: إن القاتل يريد أن يتحدث.

- يتحدث؟

- أجل، إن القاتل حين يقتل يصير في عزلة شديدة، فهو يحب أن يصارح أحداً بكل شيء، لكنه لا يستطيع. و هذا يجعله يريد أن يخبر بالمزيد، و هكذا: إن كان لا يستطيع أن يقول كيف فعل هذا فإنه يستطيع أن يتحدث عن القتل نفسه و يناقشه و يطرح نظريات لتدرسها.
لو كنت مكانك يا تشارلز لنتبهت لهذا الأمر. اذهب هناك مرةً أخرى و اقعدْ بينهم و اختلطْ بهم جميعاً و اجعلْهم يتحدثون. لن يكون عملاً سهلاً، و سواء كانوا مرجمين أو أبرياء فسيكونون سعداء بفرصة التحدث مع رجل غريب؛ لأنهم سيقولون لك أشياء لا يقولونها لبعضهم، و لعلك تستطيع أن تتبين الاختلاف، فالذي يريد أن يكتم شيئا في نفسه لا يطيق بالطبع الحديث معك، و كان رجال الاستخبارات يدركون ذلك بالطبع أيام الحرب. لو أنك أُسِرْتَ ستفشي اسمك و رتبتك و رقمك العسكري و لا شيء غيرها. أما الذي يحاولون إعطاء معلومات مزيفة فإن ألسنتهم تزل دائماً. فلتجعل أهل البيت يتحدثون يا تشارلز و راقب فيهم زلة اللسان أو لمحات الكشف عن الذات.

أخبرتُه عندها أن صوفيا تحدثت عن القسوة في العائلة، و ذكرتْ أنواعاً مختلفة منها، فاهتم بذلك اهتماماً كبيراً و قال:

- أجل، إن لدى فتاتك شيئاً في هذا الأمر، إن الصفات الوراثية شيء يثير الاهتمام. خذ على سبيل المثال قسوة دي هافيلاند، و ما يمكن أن نسميه عديمية الضمير عند ليونايدز. إن عائلة هافيلاند طبيعيين لأنهم ليسوا عديمي الضمير أما عائلة ليونايدز فهم رغم تجردهم من الضمير إلا أنهم عطوفون، و لكن أحدهم ورث هاتين الصفتين مجتمعتين. هل تفهم ما أعنيه؟

لم أفكر بهذه الطريقة تماماً، و قال والدي:

- لن أرهقك بالصفات الموروثة، فهذا أمر دقيق و معقّد جداً. اذهب يا ولدي و دعهم يحدثونك. إن فتاتك محقة تماماً في شيء واحد: لن ينفعك و ينفعها سوى الحقيقة.

ثم أضاف فيما كنت أغادر الغرفة: و احذْر الطفلة!

- جوزفين؟ تعني الاّ أبوح لها بما أنوي أن أفعله؟

- كلا، لم أقصد ذلك، بل أقصد أن تعتني بها، فلا نريد أن يصيبها شيء.

حَدَقْتُ إليه، فقال:

- هيا يا تشارلز، إن بين أهل البيت قاتلاً يقتل بدم بارد، و يظهر أن الطفلة جوزفين تعرف معظم ما يجري.

- إنها تعرف كل شيء عن روجر، و ربما أخطأت بالقفز إلى إستنتاجٍ بأنه محتال و لكن معلوماتها تبدو صحيحة!

- نعم، نعم. إن شهادة الطفل هي أفضل الشهادة و أنا أصدقها كل مرة، لكنها لا تفيد في المحكمة قطعاً؛ لأن الأطفال لا يطيقون توجيه الأسئلة المباشرة، بل تراهم يهمهمون و يبدون بلهاء و يقولون بأنهم لا يعرفون لكنهم يكونون في أفضل أحوالهم عندما يتباهون. سوف تسمع منها مزيداً بالطريقة نفسها: لا تسألها أسئلة، اجعلها تشعر أنك لا تعلم شيئاً لتثيرها، و لكنّ عليك أن تهتم بأمرها، فلعلها تعرف كثيراً من أجل سلامة إنسان!

*****
الجزء الثالث عشر

تركت أبي و دهبت إلى ((البيت المائل)) و شعور قليل بالذنب يلازمني، لقد كررت على مسمع تافيرنر أسرار جوزفين التي تتصل بروجر، لكنني لم أقل شيئاً حول مسألة بريندا و لورانس براون و رسائل الحب.

إني معذور، فقد حسبت ما بيتهم رومانسية مجردة و لم أعلم سباً يثبت صحة ذلك، لكني كرهت أن أجمع أدلة أخرى على بريندا ليونايدز، كنت أشفق عليها من عائلة تكنّ لها العداء و هي متجمعة عليها قبوة. لو كان مثل هذه الرسائل بينهما فلا شك أن تافيرنر و أعوانه سيجدونها، كنت أكره أن أكون سبا في طرح نهمة جديدة على امرأة تعيش وضعاً صعباً! ثم إنها أكدت لي بهدوء أنه لم يكن بينها و بين لورانس أية علاقة، و شعرت أني أميل إلى أن أصدقها أكثر من تلك ((القزم الحقود)) جوزفين! ألم تقل بريندا بلسانها بأن جوزفين لم تكن هناك؟

كتمت قناعتي بأن جوزفين كانت هناك، و تذكرت الذكاء في عينيها السوداوين الصغيرتين.

و كلّمت صوفيا بالهاتف و سألتها إن كانت تأذن لي بالقدوم ثانية؟

- أرجوك أن تأتي يا تشارلز.

- كيف تسير الأمور؟

- لا بأس، ما زالوا يفتشون البيت، عمّ يبحثون؟

- لا أدري.

- إننا جميعاً غاضبون جداً، تعال في أسرع وقت، سوف أحن إذا لم أتكلم مع شخص ما.

قلت لها بأني سآتي إليها فوراً.

لم أرً أحداً و أنا قادم في السيارة إلى الباب الأمامي. أعطيت السائق أجره و نزلت. ترددت: هل أقرع الجرس أم أدخل، فقد كان الباب مفتوحاً.

و بينما أنا كذلك سمعت صوتاً خفيفاً من خلفي. أدرت رأسي بحدة... كانو جوزفين عند فتحتة سياجٍ من الشجر تنظر إليَّ و قد حجبتْ وجهها تفاحةٌ كبيرة، ذهبت تجاهها.

- مرجبا جوزفين.

لم تجبني، لكنها اختفت خلف السياج، و عبرتُ الطريق و تبعتها. كانت تجلس على مقعد خشبي صدئ غير مريح عند بركة السمك و تحرك ساقيها و هي تقضم التفاحة.

كانت تنظر إليَّ باكتئاب و شيءٍ لا أحسبه إلا العداء. قلت:

- ها قد جئت ثانية يا جوزفين.

كانت بداية ضعيفة، لكن كان صمت جوزفين و عيناها الجاحظتان يثيران الأعصاب.

و مازالت صامتة تفكر تفكيراً عميقاً. سألتُها:

- هل هذه تفاحة جيدة؟

هذه المرة تعطّفت جوزفين و أجابت بكلمة واحدة:

- غامضة!

- أمر مؤسف! لا أحب التفاح الغامض.

ردّت جوزفين بازدراء:

- لا أحد يحب ذلك.

- لم لم تكلميني حين قلت(مرحبا))؟

- لم أكن أريد ذلك.

- لماذا؟

أبعدت جوزفين التفاحة عن وجهها لتساعد في توضيح شجبها و قالت:

- لأنك ذهبت و أبلغت الشرطة.

تفاجأْت:

- ها! تقصدين... بخصوص...

- بخصوص العم روجر.

- لكن لا بأس يا جوزفين لا بأس. إنهم يعرفون أنه لم يقترف ذنباً، لم يختلس مالاً أو شيئاً كهذا.

نظرتْ جوزفين إليَّ نظرة ساخطة:

- كم أنت غبي!

- إني آسف!

- لست قلقة على العم روجر؛ لكن هذا ليس أسلوب العمل البوليسي. ألا تعرف أنه ينبغي أن لا تخبر الشرطة حتى النهاية؟

- ها! فهمت. إني ىسف يا جوزفين. إني آسف حقاً!

- يجب ان تشعر بالأسف، لقد كنت أثق بك!

قلت لها مرة ثالثة بأنني آسف. بدت جوزفين هادئة، قضمت التفاحة مرتين و قلت لها:

- لكن الشرطة سيكتشفون كل شيء. إنك... إنني... نحن لا نستطيع أن نكتم الأمر طويلاً.

- تقصد لأنه كاد يفلس؟

كانت جوزفين – كعادتها – عالمة بالأمر. و قلت:

- ربما. أظن أن الأمر سيصل إلى ذلك الحد.

- سيتحدثون هذه الليلة: والدي و والدتي و العم روجر و الخالة إيديث. سوف تعطيه الخالة إيديث مالها لكنها لم تأخذه بعد، أما والدي فلا أظنه يعطيه، إنه يقول(إن كانت روجر قد وقع في مأزق فعليه أن يلوم نفسه، و ما فائدة تبذير المال في مشروع خاسر؟))، كما أن أمي لن ترضى أن تعطيه جنيهاً واحداً لأنها تريد من والدي أن يعطي المال إلى إيديث تومبسون. هل تعرف إيديث تومبسون؟ كانت متزوجة من رجل لم تحبه، و كانت تحب شاباً يدعى بيواترز، و قد نزل من السفينة و سار في شارع مهجور بعد المسرح فطُعِنَ في ظهره.

تعبت مرة أخرى من نضج معلومات جوزفين و الفهم الدرامي الذي قدم جميع الحقائق البارزة بإيجاز. قالت جوزفين:

- إن الأمر يبدو طبيعياً، لكني لا أظن أن المسرحية ستكون كهذه على الإطلاق، سوف تكون مثل جيزبيل مرة أخرى... – و تنهدت – كنت أتمنى أن أعرف لمَ لم تأكل الكلاب راحتيها؟

- جوزفين، هل قلت بأنك متأكدة من هوية القاتل؟

- حسناً؟

- من هو؟

نظرت إلي نظرة ازدراء، فقلت:

- فهمت. لن تخبريني إلا عند الفصل الأخير؟ فإذا وعدتك ألا أخبر المفتش تافيرنر؟

- بل أريد بعض الأدلة الأخرى.

و جعلت تلقي لبّ التفاحة في حوض أسماك الزينة، ثم أضافت قائلة:

- على أية حال ما كنت سأخبرك بذلك لأنك تشبه واطسون في قصص شيرلوك هولمز.

تحملتُ هذه الإهانة و قلت:

- حسناً. أنا واطسون، لكن واطسون عرف أسراراً!

- ماذا عرف؟

- الحقائق، ثم بعد ذلك اجتهد فأخطأ، ألَنْ يكون أمراً مسلياً لك أن أسمع منك ثم ترينني أقوم باستنتاجات خاطئة؟

أُغريتْ جوزفين لحظة، لكنها بعد ذلك هزت رأسها و قالت:

- لا، و على كل حال فأنا لا أحب قصص شيرلوك هولمز... إن أسلوبها قديم و يركب أبطالها عربات تجرها الكلاب!

- و ماذا عن تلك الرسائل؟

- أية رسائل؟

- رسائل لورانس براون و بريندا.

- لقد اخترعتها.

- لا أصدقك.

- نعم، إنها كذبت اخترعتها! إنني أخترع كثيراً أشياء من هذا النوع، فهذا يسليني.

حدقتُ فيها و حدقتْ إليّ:

- اسمعي يا جوزفين: أعرف رجلاً في المتحف البرطاني مطّلعاً على القصص التاريخية. لو سألته: لم لَمْ تأكل الكلاب راحتي جيزبيل فهل تخبرينني عن هذه الرسائل؟

هذه المرة ترددت جوزفين حقاً. ثم في مكان ليس بعيداً انكسر غصن شجرة و أحدث صوتاً حاداً. قالت جوزفين ببرود:

- لا، لن أخبرك.

رضيتُ بالهزيمة. و في وقت لاحق من ذلك اليوم تذكرتُ نصيحة والدي. أما في تلك اللحظة كررت المحاولة:

- حسناً... إنما هي لعبة. أنت لا تعلمين شيئاً.

قدحت عين جوزفين لكنها قاومت الإغراء، نهضتُ و قلت:

- هيا، يجب أن أدخل الآن لأبحث عن صوفيا.

- سأقف هنا.

- لا. لن تفعلي. سوف تدخلين معي.

شددتُها بغلظة حتى تقف على قدميها فتفاجأتْ، احتجّتْ لكنها استسلمت عن طيب خاطر منها، ربما لأنها كانت ترغب ملاحظة ردود فعل أهل البيت عند حضوري.

لم أدرك في تلك اللحظة سرَّ حرصي على اصطحابها معي إلى البيت، و لكن السبب ما لبث أن خطر بالي و نحن ندخل من الباب الأمامي:

كان السبب هو انكسار الغصن المفاجئ!

*****
الجزء الرابع عشر


كانت همسات تُسمع من قاعة الجلوس الكبيرة. ترددت و لكني لم أدخل، تمشيت في الممر و بدافع الغريزة دفعت باباً أخضر. كان الممر من خلفي مظلماً لكن باباً انفتح فجأة مظهراً لي مطبخاً كبيراً مضيئاً.

كان عند الباب امرأة كبيرة في السن، عجوز ضخمة تضع مريلة بيضاء نظيفة حول خصرها السمين، و حين رأيتها عرفت أن كل شيء كان على ما يرام. إنه الشعور الذي يسكن في قلبك من مدبرة المنزل ناني الطيبة. إنني في الخامسة و الثلاثين لكنني أحسست أنني ولد صغير مطمئن في الرابعة من عمره!

و لقد عرفت أن مدبرة المنزل ناني لم نكن قد رأنني من قبل لكنها قال في الحال:

- أنت السيد تشارلز، أليس كذلك؟ ادخل إلى المطبخ و دعني أقدم لك كوباً من الشاي.

كان مطبخاً كبيراً و جميلاً. و جلست إلى الطاولة الوسطى، و أحضرت ناني لي فنجاناً من القهوة و قطعتين من البسكويت على طبق، و أحسسن أنني في الحضانة مرة أخرى: كل شيء كما يرام و لم تعد المخاوف من الطلمة و المجهول تنتابني! قالت ناني:

- ستكون الآنسة صوفيا مسرورة جداً لمجيئك فهي متضايقة.

و أضافت و قد تغير لون وجهها: عجباً! إنهم جميعاً في ضيق.

نظرت ورائي و قلت:

- أين جوزفين؟ لقد دخلت معي!

طقطقت ناني بلسانها استهجاناً:

- إنها تتنصت وراء الأبواب و تدون ما تسمع في ذلك الدفتر الصغير السخيف الذي تحمله حيثما ذهبت. كان يجب أن تذهب إلى المدرسة و تلعب مع أترابها من الأطفال. لقد قلت ذلك للآنسة إيديث و وافقتني، لكن السيد رأى أن تبقى هنا في البيت.

- أظن أنه كان يحبها كثيراً.

- نعم كان كذلك يا سيدي، كان يحبهم جميعاً!

بدا الذهول على وجهي قليلاً و أنا أتعجب لماذا كان حب فيليب لذريته يعبر عنه بصيغة الماضي، و لاحظت تاتي ملامح الدهشة فاحمر وجهها قليلاً:

- عندما قلت(السيد)) فإنما كنت أعني السيد ليونايدز العجوز.

و أردت أن أجيبها لكن الباب انفتح بقوة و دخلت صوفيا مندفعة. قالت:

- تشارلز..!

ثم أضافت بسرعة تخاطب ناني:

- أنا سعيدة لأنه جاء يا ناني.

- أعلم أنك سعيدة يا حبيبتي.

جمعتْ نانيب الأوعية و حملتها إلى حجرة الغسيل و أغلقت الباب وراءها. نهضتُ و جئت إلى صوفيا فأمسكت ببيدها.

- عزيزتي، إنك ترتجفين! ما الأمر؟

- أنا خائفة يا تشارلز. خائفة!

- يا ليتني أستطيع أن آخذك بعيداً...

ابتعدت عني قليلاً و هزت رأسها:

- لا. هذا مستحيل. يجب علينا أن نواصل حتى النهاية، لكنك تعرف يا تشارلز أنني لا أحب الإحساس بأن أحداً في هذا البيت أراه و أكلّمه كل يوم هو قاتل عديم الإحساس!

لم أعرف كيف أجيبها. إن المرء لا يستطيع أن يقدم تطمينات لا معنى لها لفتاة مثل صوفيا. قالت:

- فقط لو نعرف من هو القاتل...

- هذا أسوأ ما في الأمر.

همست: أتدري ما الذي يخيفني؟ أننا قد لا نعرف أبداً...

كان يمكنني أن أتخيل هذا الكابوس، ربما يظل قاتل العوجز ليونايدز مجهولاً، لكنني تذكرت سؤالاً تعمدت أن أسأله صوفيا، قلت لها:

- أخبريني صوفيا، كم واحداً في البيت كان يعلم أمر قطرة الإيسيرين الخاصة بالعين؟ أقصد أن يعرف أنها عند جدك و أنها كانت قطرة سامة أو قاتلة؟

- فهمت مرادك يا تشارلز، لكن هذا لن يفيد، فكلنا كنا نعرف. كنا نجلس جميعاً ذات يوم مع جدي محتسي القهوة في الدور العلوي بعد تناول الغداء. كان جدي يحب أن نجتمع حوله. و كانت عيناه تؤلمانه كثيراً فأحضرت بريندا الإيسيرين لتنقُط في كل عين قطرة، و قالت جوزفين التي تحب كثرة الأسئلة(لماذا كتب عليها ((قطرة عين)) و ليس جرعة للشرب؟)) فابتسم جدي و قال(لو أن بريندا أخطأت و حقنتني إبرة من قطرة العين في يومٍ ما بدلاً من إنسولين فسينقطع نفَسي و يزرّق وجهي ثم أموت؛ لأن قلبي ليس قوياً!))، و قالت جوزفين(ها!)).
ثم أكمل جدي حديثه فقال(فعلينا أن نكون على حذر لكيلا تعطيني بريندا حقنة إيسيرين بدلاً من أنسولين، أليس كذلك؟))

و سكتت صوفيا قليلاً، ثم أضافت:

- كنا جميعاً نصغي، هل عرفت؟ سمعنا ذلك جميعاً!

لقد فهمت ذلك حقاً، لكني تذكرت الآن أن العجوز ليونايدز قد زودّهم – صراحة – بمسوّدة خطة لقتله، لم يكن على القاتل أن يرسم خطة أو أن يخترع شيئاً، فقد قد الضحية نفسه أسلوباً سهلاً و بسيطاً يتسبب في موته.

تنهدتُ عميقاً و أدركت صوفيا ما أفكر فيه و قالت:

- نعم. إنه أمر مرعب، أليس كذلك؟

قلت بطء:

- أتعرفين يا صوفيا؟ إني أفكر في شيء واحد لا غير.

- و ما هو؟

- لقد كنتِ على صواب؛ لأن بريندا يستحيل ان تفعلها، لم تكن تستطيع فعل ذلك بتلك الطريقة تماماً، حيث كنتم جميعاً تستمعون و كلكم يتذكر ذلك الموقف.

- لا أدري، أحياناً تكون صامتة!

- كيف تكون صامتة إزاء ذلك كله؟ لا. لا يمكن أن يكون الفاعل بريندا.

ابتعدت صوفيا، سألتني:

- ألا تريد أن تكون بريندا هي القاتلة؟

و ماذا يمكنني أن أقول؟ لم أستطع... لا، لم أستطع أن أقول صراحة: نعم، أرجو أن يكون القاتل بريندا! و لمَ لم أستطع؟ أشفقت على بريندا، كانت وحدها في جانب و عداء عائلة ليونايدز القوبية كان ضدها صفاً في الجانب الآخر. أهي شهامة؟ نُصرة الضعيف الذي لا يقوى على الدفاع عن نفسه؟

و تذكرتها و هي تجلس على الأريكة في ثوب الحداد الغالي و اليأسُ تسمعه في صوتها و الخوف تراه في عينيها!

رجعتْناني في الوقت المناسب من حجرة الغسيل، و لعلّها أحسّت توتراً بيني و بين صوفيا، قالت باستنكار:

- تتحدثان عن القتل؟ أنصحكما أن تكُفّا عن ذلك و تتركاه للشرطة، إنه عمل بغيض من شأنهم هم و ليس من شأنكما.

- ناني، ألا تدركين أن أحداً من أهل البيت هو القاتل؟

- هذا هراء يا آنسة صوفيا، لم أعد أطيق سماع ذلك. أليس الباب الأمامي مفتوحاً طوال الوقت، كل الأبواب مفتوحة، كأنها تقول للّصوص(ادخلوا))؟

- لكن الفاعل يستحيل أن يكون لصاً، فلم يُسرق من البيت شيء، ثم لماذا يدخل لص إلى البيت و يسمم إنساناً؟

- لم أقل بأنه لص يا آنسة صوفيا، إنما قلت الأبواب كلها كانت مفتوحة لذلك فأي واحد كان يمكن أن يدخل، لو سألتني عن القتال لقلت بأنهم الشيوعيون.

أومأت ناني برأسها علامة الارتياح، سألها صوفيا:

- و لماذا يريد الشيوعيون قتل جدي المسكين؟

- الناس يقولون بأنهم وراء كل مصيبة، لو لم يكن الشيوعيون فإنهم الكاثوليك، إنهم جميعاً في الخبث سواء.

ذهبت ناني مرة أخرى إلى حجرة الغسيل. ضحكت أنا و صوفيا، و قلت لها:

- إنها عجوز بروتستانتية متعصبة!

- أجل، إنها كذلك. هيا يا تشارلز، تعال إلى غرفة الاستقبال، هناك اجتماع عائلي منعقد. كان موعده هذا المساء لكنه بدأ مبكراً.

- إذن فالأفضل ألا أتدخل يا صوفيا.

- إن كنت ستتزوج فتاة من العائلة فالأحسن أن ترى ما يكون عليه الأمر حين يُنزع القفاز من اليد.

- ما هو موضوع الاجتماع؟

- شؤون روجر، لعلك تعرفها؟ لكن من الخبل أن تظن روجر قد قتل جدي، فقد كان روجر يحبه حباً شديداً!

- في الواقع لم أظنّ أن روجر هو الذي فعلها، كنت أرجّح أنها كليمنسي.

- ذلك فقط لأنني اقنعتك بهذه الفكرة، لكنك مخطئ أيضاً، لا أظن أن كليمنسي لا تهتم و لو قليلاً لو أن روجر خسر كل أمواله. أظنها ستكون سعيدة بذلك، إن لديها رغبةً عجيبة ألا تملك شيئاً! هيا، أدخل.

دخلت مع صوفيا إلى غرفة الاستقبال و سكتت الأصوات التي كانت تتحدث فجأة، و نظر الجميع إلينا.

كانوا جميعاً هناك: فيليب على كرسي كبقير قرمزي بين النافذتين، و وجهه الجميل متجهم حزينٌ كأنه قاضٍ يوشك أن يقطع حكماً، و روجر على مقعد قرب الموقد يجلس منفرج الساقين و ينفش شعره بأصابعه، و ساق بنطاله اليسرى مثنية و ربطة عنقة مائلة، و وجهه محمّر ثائر.

جلست كليمنسي خلفه، و قد بدت نحيلة على كرسي كبير. كانت تنظر بعيداً عن الآخرين كأنما تتفحص صور الحائط بنظرات هادئة. و جلست إيديث على كرسي الجد أريستايد منتصبة و هي تغزل الصوف بحركة سريعة و شفتاها مزمومتان.

و كان أجمل الحاضرين في الغرفة ماجدا و يوستيس. كأنا كأنهما لوحة رسمها فنّان. جلسا معاً على الأريكة: الولد الأنيق أسود الشعر متجهّماً و إلى جانبه ماجدا و ذراعها ممدودة خلف ظهره. دوقة بيت ((ثري غابلز)) في ثوب جميل و إحدى قدميها الصغيرتين ممتدة و هي تلبس الخفّ!

قطب فيليب جبينه:

- إني آسف يا صوفيا، نحن نناقش شؤوناً عائلية ذات خصوصية!

قرقعت صنارتا الآنسة دي هافيلاند و هممتُ أن أعتذر و أخرج لكن صوفيا سبقتني و قالت بوضوح و تصميم:

- أنا و تشارلز سنتزوج، و أريده أن يكون هنا.

قفز روجر من مقعده فجأة و صاح:

- و لم لا؟ كنت أقول لك يا فيليب إنه لا يوجد شيء خاص في هذا الأمر، لسوف يعلمه الناس جميعاً غداً أو بعد غد!

و جاء و وضع يده على كتفي بتودد:

- يا ولدي العزيز، أنت تعلم كل شيء عنه، كنت هناك هذا الصباح.

صاحت ماجدا و هي تنحني:

- أخبرني، كيف هي سكوتلاند يارد؟ إن المرء يتساءل عن ذلك كثيراً... طاولة؟ مكتب؟ كراسي؟ كيف ستائرها؟ أظن أنه لا يوجد زهور فيها أو مسجّل؟

قالت صوفيا: ضعي له مشهداً كوميدياً، و على كل حال فقد أمرتِ فافاسور جونز أن يحذف مشهد سكوتلانديارد ذاك؛ لأنه يهبط بالمسرحية – حسب قولك – هبوطاً مفاجئاً.

ماجدا: إنه يجعلها تشبه المسرحية البوليسية كثيراً!

سألني فيليب محتداً:

- هل كنت هناك هذا الصباح؟ لماذا؟ أوه! والدك...

قطب جبينه. فهمت أكثر من ذي قبل أن حضوري لم يكن مرغوباً فيه لكن يد صوفيا كانت تقبض على ذراعي.

حركت كليمنسي كرسياً إلى الأمام و قالت:

- اجلسْ من فضلك!


نظرت إليها نظرة امتنان و وافقت على دعوتها.

و قالت الآنسة دي هافيلاند قولاً عرفت منه أنها كانت تواصل الحديث الذي كانوا فيه:

- قل ما تشاء، لكنّ علينا أن نحترم رغبة أريستايد. حين يتمّ تسوية أمر الوصية هذه فنصيبي كله تحت تصرفك يا روجر.

شد روجر شعره بقوة و صاح:

- لا يا خالتي إيديث. لا!

فيليب: يا ليتني أستطيع أن أقول نفس الشيء، لكنّ على المرء أن يحسب لكل شيء حسابه...

- ألا تفهم يا عزيزي فيل؟ لن آخذ بنساً واحداً من أحد منكم.

صاحت كليمنسي فجأة:

- إنه لا يستطيع بالطبع.

ماجدا: على أية حال يا إيديث، إذا تم تقسيم الوصية فسوف يأخذ نصيبه.

يوستيس: و لكن ربما لا يتم تقسيمها غلآن، أليس كذلك؟

فيليب: أنت لا تعلم شيئاً عنها يا يوستيس.

صاح روجر:

- الولد على صواب. لقد وضع أصبعه على الجرح! لا شيء سوف ينقذني من الكارثة، لا شيء!

كليمنسي: لا أرى شيئاً يستحق النقاش في الحقيقة.

روجر: على أية حال فلا شيء يهمني!

ضم فيليب شفتيه ثم قال:

- كنت أظن أنه يهمك كثيراً يا روجر.

- لا لا، و ماذا يهمني بعد أن مات أبي؟ و ها نحن نجلس هنا نناقش فقط شؤون المال!

احمرت جنتا فيليب الشاحبات قليلاً و قال بثبات:

- إننا نحاول المساعدة فقط.

- أعرف يا فيل، أعرف، و لكننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً. دعنا نَقُلْ بأنه لم يبق سوى يوم واحد.

- أظن أنني أستطيع جمع مقدار من المال، لقد تدهورت السندات المالية كثيراً، و بعضٌ من رأس المال مشتغل في استثمارات معينة فلا أستطيع أخذها، فهي سداد لديون ماجدا و لكن...

أدركته ماجدا بسرعة:

- إنك لن تستطيع جمع المال يا عزيزي. سيكون سخيفاً أن تحاول، كما أنه ظلم للأطفال.

فصاح روجر:

- لقد أخبرتكم أنني لا أطب شيئاً من أحد منكم/ لقد بحّ صوتي و أنا أقول لكم ذلك. إنني راضٍ تماماً أن تأخذ الأمور مجراها.

- إنها مسألة سمعة اجتماعية، سمعة والدي و سمعتنا.

- لم يكن هذا من شأن العائلة، بل كان شأني أنا وحدي.

قال فيليب و هو ينظر إليه:

- أجل، كان شأنك وحدك.

نهضت الآنسة دي هافيلاند و قالت و في صوتها نبرة هيمنة تؤثر في الحاضرين:

- اظن أننا ناقشنا هذا بما فيه الكفاية.

و نهض فيليب و ماجدا، و خرج يوستيس من الغرفة في كسل، و لاحظت الغرور في مشيته العرجاء: لم يكن أعرج لكن مشيته عرجاء.

تأبّط روجر ذراع فيليب و قال:

- إنك حلو المعشر يا فيل و إن يكن تفكيرك هكذا!

خرج الأخوان معاً و همست ماجدا و هي تتبعتهما:

- يالها من جلبة!

أما صوفيا فانصرفت قائلة إنها ستتدبر أمر غرفتي.

وقفت إيديث دي هافيلاند تجمع صوفها. نظرتْ إليّ فظننت أنها تريد محادثتي، كانت نظراتها توحي أنها تستغيث لكنها غيرت رأيها و تنهدت و خرجت في عقب الذي قبلها.

وقفت كليمنسي عند النافذة تطلّ على الحديقة، جئتُ إليها فاتلتت و قالت:

- الحمد لله. اللقاء انتهى!

و أضافت بنفور: إنها غرفة عجيبة!

- ألا تحبينها؟

لا أستطيع أن اتنفس و أنا فيها، فرائحة الزهور المقيتة و الغبار دائماً فيها!

لا أظن أنها كانت عادلة في وصف الغرفة، لكني فهمت ماذا قصدت، كانت تقصد حتماً ما بداخل الغرفة. كانت غرفة غريبة، مريحة للنظر، مغلقة، لا بييعتريها تقلّب الجو السيء في الخارج. و لم تكن غرفة يكون الرجل فيها سعيداً لو مكث فترة طويلة، فأنت لا تستطيع أن تستريح فيها و تقرأ صحيفة و تدخن بالغليون و تمدّ قدميك. ومع ذلك كنت أفضلها على غرفة كليمنسي البسيطة المجردة من الأثاث في الطابق العلوي، و بالجملة فأنا أفضل حجرة الجلوس على قاعة العمليات التدريبية في مستشفى.

نظرت كليمنسي حولها و قالت:

- إنها خشبة مسرح، لوحة خلفية من أجل ماجدا لتمثل عليها المشاهد، شارلز، هل عرفت ما كنا نؤديه قبل قليل؟ المشهد الثاني. الاجتماع السري العائلي، لقد رتبته ماجدا، لم يكن يعني شيئاً إذ لم يكن ثمّة شيء نتحدث فيه أو نناقشه، كل شيء تمت تسويته... انتهى.

لم يظهر الحزن في صوتها، بل الرضى، و رأتْني و أنا أنظر إليها، فسألتني بعجلة:

- ألا تفهم؟ أخيراً أصبحنا أحراراً! ألا تفهم أن روجر كان بائساً... بائساً تماماً... منذ سنوات عدة؟ لم يكن يرغب في العمل. إنه يحب أشياء مثل الخيول و الأبقار، و يحب التسكع في الأرياف. لكنه كان يعشق والده، و كلهم كانوا مثله، و لم يكن العجوز طاغية و لم يؤذِهم أبداً، و هم بقوا مخلصين له. هذا هو الأمر غير الطبيعي في هذا البيت... عائلة كبيرة جداً..

- أهذا شيء غير طبيعي؟

- اعتقد ذلك. أعتقد أنه عندما يكبر أطفالك، فيجب أن تبتعد عنهم و تطلق سراحهم و تجبرهم على نسيانك.

- أجبرهم؟ هذه قسوة، أليس كذلك؟ أليس الإكراه عملاً سيئاً؟

- لو لم يصنع من نفسه تلك الشخصية...

- لا أحد يملك أن يصنع من نفسه شخصية. لقد كان قوي الشخصية بطبيعته.

- كانت شخصيته مؤثرة في روجر حتى العبادة! كان روجر يفعل كل ما يأمره أبوه، و كان يسعى أن يكون الولد الذي يريده والده، و لم يستطع! نقل إليه مليكية شركة التجهيز الغذائي التي كانت سبب متعة العجوز و فخره، و اجتهد روجر أن يتبع خطى أبيه لكنه لم يفلح! لم يكن يمتلك تلك القدرة فهو غبيفي الإدارة. أجل، أقولها صراحة و قد أوشكت أن أجرحه... إنه بائس! مكث سنينُ يكافح و يرى المصلحة كلها تنهار، و تخطر باله أفكار ((رائعة)) فجأة و خطط كانت دائماً تضلّله الطريق و تزيد أمره سوءاً في كل يوم! كم هو مفزع أن تشعر أنك لا تجني غير الفشل سنة بعد أخرى! أنت لا تعلم كيف كان روجر بائساً، إنما أنا أعرف!

و التفتت مرة أخرى و واجهتني:

- خمنت أنك اقترحت على الشرطة أن روجر ربما قتل والده من أجل المال. كم يبدو هذا سخيفاً!

قلت بتواضع:

- لقد أدركت الآن أنه سخيف.

- حين علم روجر أنه لا يستطيع أن يدرأ عن نفسه الكارثة و أنها متحققة الوقوع أحس بالارتياح. نعم أحس بذلك. كان منزعجاً لأن والده عرف الأمر و ليس لأي سببٍ آخر، و كان يتطلع إلى الحياة الجديدة التي كنا سنعيشها.

ارتعش وجهها و سكن صوتها!

- أين كنتما سترحلان؟

- إلى جزر البارْبادوس. مات ابن عم لي بعيد قبل زمن قصير و ترك عقاراً صغيراً هناك، ليس بالشيء الكثير لكنه مكان كنا نذهب إليه. كنا سنصبح فقراء بائسين لكننا نكدّ في طلب العيش، و تكلفة العيش هناك زهيدة جداً. كنا سنعيش معاً دون قلق بعيداً عنهم جميعاً!

تنهدْت.

- إن روجر رجل عجيب. كان سيقلق عليّ من الفقر، ففي ذهنه موقف عائلة ليونايدز نفسها من المال. عندما كان زوجي الأول حياً كنا فقيرَيْن جداً، و رأى روجر أن زواجه مني هو جرأة رائعة، لكنه لم يدرك أنني كنت سعيدة و لقد فقدتُ السعادة منذ ذلك الوقت!.. لم أحب ريتشارد أبداً كما أحب روجر!

و أغمضت جفنيها قليلاً ثم نظرْ إلي، و أدركت حدّة شعورها حين أضافت قائلة:

- و لذلك فأنت ترى، ما كنت لأقتل أحداً من أجل المال. لا يغريني المال!

كنت متأكداً أنها تعني ما تقول. كانت كليمنسي ليونايدز من القلّة الذين لا يهمهم المال. إنها تكره الرفاهية و تحب الزهد و التقشف و تنظر إلى الأملاك نظرة ارتياب. و مع ذلك فهناك الكثير من الناس الذين لا يجذبهم المال و لكن القوة التي يمنحها المال لهم تغريهم!

قلت لها:

- لعلك لم تكوني تطلبين المال لنفسك، لكنّ المال إن صُرف بحكمة فعل الأعاجيب. ماذا لو وُضع للأبحاث مثلاً؟

كنت أشك أن كليمنسي كانت ذات طريقة غريبة في التفكير بالنسبة لعملها لكنها قالت:

- أشك أن وقف الأموال على الأبحاث ينفع كثيراً. إن الأموال تُصرف في الطريق الخطأ. الأشياء الهامة ينجزها عادةً أناس متحمسون ذوو رؤية واقعية. إن المعدات الغالية و التدريب و التجارب ليست أساساً في الإنجاز كم تظن؛ لأن الأيدي التي تستعملها غالباً غير أمينة!

- و هل تتركين عملك إذا سافرتِ إلى الباربادوس؟ أظنك مازلتِ ترغبين في الرحيل.

- أوه، نعم. ساعة يأذن لنا الشرطة بذلك... لا، لن أهتم أن أدع عملي بتاتاً، و لمَ أهتم؟ لم أكن أحب أن أكون عاطلة عن العمل، لكني لن أكون عاطلة عنه و أنا في الباربادوس. يا ليت هذا الأمر يتمّ كله بسرعة فنرحل!

- كليمنسي، أليست لديك فكرة عمن يمكن أن يكون قد ارتكب الجريمة؟ إذا كنت أنت و روج غير متورطَيْن – و أنا أرى في الحقيقة سبباً يدعوني لأظن ذلك – فإنك بذكائك بالتأكيد قد علمت شيئاً عمن فعلها، أليس كذلك؟

نظرتْ إلي نظرة غريبة حادة من طرف عينيها و حين نطقت كان صوتها فقد عفويته، و لعلّها كانت مرتبكة بعض الشيء.

قالت: المرء لا يستطيع أن يخمّن... هذا غير علمي. فقط أقول بأن بريندا و لورانس هما المشبوهان كما يبدو، و لا أزيد.

- إذن فأنت تشكّين فيهما.

هزّت كتفيها استهجاناً، و وقفت لحظة كأنها تستمع، ثم خرجت من الغرفة مارةً بلإيديث دي هافيلاند عند الباب، و جاءت إليّ إيديث و قالت:

- أريد التحدث إليك.

وَثَبَتْ كلمات والدي إلى ذهني. هل كان هذا... لكن إيديث دي هافيلاند كانت مستمرة في حديثها.

قالت: أرجو ألا تكون أخذت الانطباع الخاطئ. أقصد عن فيليب، فهو رجلٌ يصعب فهمه. قد يبدو لك متحفظاً و فاتراً لكن الأمر ليس كذلك على الاطلاق، إنها فقط عادة لا يمكنه التخلي عنها.

قلت:

- إنني في الحقيقة لم أفكر...

لكنها اندفعت تقاطعني قائلة:

- الآن فقط... بشأن روجر. إنه لم يضنّ على أخيه بالمال، لم يكن أبداً بخيلاً بالمال، و هو – في الحقيقة – رجل محبوب. كان دائماً رجلاً محبوباً لكنه لا يجد من يفهمه!

نظرت إليها نظرت من يرغب أن يفهم، و أكملتْ:

- لعلّ سبب ذلك أن فيليب هو الولد الثاني في العائلة، هناك في الغالب شيء يتعلق بالطفل الثاني. لقد أعطاهما أبوهما فرصة متساوية، و كان روجر يحب والده كثيراً، و كل أفراد العائلة كانوا يحبون أريستايد و هو أحبهم كذلك، أما روجر فكان مصدر فخره و فرحه الخاصين؛ لأنه الأكبر و الأول، و أعتقد أن فيليب أحسّ بذلك فعكف على نفسه و جعل يبحث في الكتب و الماضي و أشياء لا تتصل بالحياة اليومية. أظن أنه عانى، و كم يعاني الأطفال!

سكتت قليلاً، ثم أضافت:

- الذي أعنيه في الحقيقة أنه كان يغار دائماً من روجر، و ربما لم يكن يدرك ذلك في نفسه، لكني أظن أن موقفه بخصوص فشل روجر في عمله... أنا متأكدة أنه لم يكن يدرك ذلك، لكن الذي أريد قوله أنّ فيليب ربما لم يكن يأسف على أخيه كما كان يجب.

- أي أنه كان مسروراً لأن روجر قد أخفق في عمله؟

- أجل، أعني هذا تماما... – و عبستْ قليلاً – ... لقد آلمني أنه لم يعرض على أخيه المساعدة فوراً!

- و لماذا يفعل؟ إن روجر أفسد الأمور. إنه رجل ناضج و ليس له أطفال كي يفكر في مستقبلهم، لو كان مريضاً أو كان في عوزٍ حقيقي لكانت عائلته ستساعده بالطبع، لكني أجزم أن روجر يفضل أن يبدأ حياة جديدة تماماً على عاتقه هو.

- أوه! كاد يفعل ذلك. لا يهمه إلا كليمنسي، و كليمنسي مخلوق غير طبيعي: تحب كثرة التنقل و أن يكون لها كوب شاي واحد تشرب به. لعلها امرأة عصرية لا تفهم الماضي و لا الجمال!

أحسست بأن عينيها الداهمتين تمعنان النظر فيّ. قالت:

- هذه محنة قاسية لصوفيا. إنني آسفة جداً لأن شبابها سيذبل بسبب هذا الأمر. إنني أحبهم جميعاً: روجر و فيليب، و الآن صوفيا و يوستيس و جوزفين. أحب الأطفال كلهم. أجل، أحبهم كثيراً!

و سكتت قليلاً ثم أضافت بحدة:

- لكني أذكرك بأن الحب أعمى.

و استدارت فجأة و ذهبت. لا بد أنها عَنَتْ بكلمتها الأخيرة شيئاً محدداً، لكني لم أفهمه تماماً!

*****






__________________
coming soon