عرض مشاركة واحدة
  #34  
قديم 03-14-2016, 04:22 PM
 




الفصــل السابـع




لم أتكلم طول الطريق في القطار عن اختياري بالرغم من محاولات فلورا اللحوحة .. و بعد وصولنا إلى المحطة المطلوبة استقلينا سيارة أجرة لتأخذنا إلى جامعة مانشستر الشهيرة ، التي كانت ولا تزال جامعة مرموقة ذائعة الصيت .

توجهنا إلى مكتب الاستعلامات للتسجيل في الأقسام التي نريد.. و قبل أن نقترب من مكاتب الموظفين المنهمكين في أعمالهم على الحواسيب تارة و المستندات المرصوصة بالوثائق و الأوراق تارة أخرى جذبتني فلورا من ذراعي قائلة بفضول : والآن هيا أخبريني !

أجبتها وأنا أرفع حاجبي و أخفضهما على نحو مستفز : ستعلمين حالا !

ثم خطوت باتجاه الموظفة الأقرب لي ، بدأت كلامي قائلة : صباح الخير ، هنا يمكنني التسجيل في كليات الجامعة أليس كذلك ؟!
ردت الموظفة بشكل تلقائي كما لو كانت رجلا آليا مبرمجا : نعم يا آنسة ، ما القسم الذي ترغبين بالتسجيل فيه ؟!
كانت كل من فلورا وجيسيكا تراقبانني بلهفة والفضول يأكلهما ، تبسمت بثقة وثبات و قلت : كلية العلوم الجنائية !

رفعت الموظفة نظراتها نحوي باستغراب دام ثانية أو أقل ثم سرعان ما عادت لطريقتها الآلية في الكلام :
حسنا ، يجب عليك أولا اجتياز اختبار القبول ! <ثم بدأت تكتب على حاسوبها وهي تسألني عن اسمي و عنواني وبريدي الإلكتروني كما طلبت بعض الأوراق و الملفات ، و بعدما انتهت من تدوين كل ذلك دلتني على القاعة التي يجرى فيها امتحان القبول ، مررت بفلورا و جيسيكا اللتين فغرتا فميهما في اندهاش .. ثم قلت ملوحة لهما : بالتوفيق لكما !

لم يكن الاختبار صعبا كثيرا.. أظن أنني أبليت حسنا فيه و كذلك فعلت صديقتاي . و حين سنحت أخيرا الفرصة لفلورا للتجادل معي لم تنطق سوى سوى ثلاث كلمات : "لقد فقدت عقلك !"

رمتها نحوي بحنق و استياء بالغ ثم تقدمتنا إلى المحطة .. لم أحاول جدالها أو إقناعها بوجهة نظري ، ابتسمت فقط و واصلت المسير إلى جوار جيسيكا التي رغم دهشتها لم تر أن من حقها الاعتراض أو التدخل في قراراتي الخاصة ..


***

وجدنا جوني ينتظرنا في محطة القرية ، اتجه نحونا حالما لمحنا نخرج من القطار و ألقى سؤاله : إذن.. كيف جرى الأمر ؟!
قلت بسرور : جيد !

نظر إلي بفضول كبير في البداية ولكنه استطاع - مستنتجا من ابتهاجي المريب و تجهم فلورا الذي يبلغ عن عدم رضاها - أن يخمن الأمر ، رفع يده إلى رأسه و تأوه : آه.. لا تقولي أنك..

لم أجبه و اكتفيت بابتسامة عريضة ، فقالت فلورا مؤكدة شكوكه : بلى ، إن مخاوفك في محلها ، لقد اختارت هذه المخبولة كلية العلوم الجنائية !

فما كان منه إلا أن غطى وجهه بيديه ، و بالكاد تمكنت من حبس ضحكتي

سألت جيسيكا بهدوء : و لكن لماذا اخترت هذه الكلية بالذات ؟!

لم نخبر جيسيكا و لا أي شخص آخر بما حصل معنا في لندن ، فقد قدرنا أن من الأفضل بقاء الأمر سرا بيننا نحن الثلاثة لا غير .

أجابها جوني بدلاً مني : لأنها طفلة غبية ، تظن أن هذا العمل مسل !

تحدثت فلورا إلى جيسيكا : تعالي معي يا جيسي أريد شراء بعض الأشياء من ذلك المتجر .

ثم سحبتها و تركتني وحدي مع جوني .. كانت تريد له أن يأخذ كامل حريته في توبيخي ، تبا لفلورا الماكرة !

و حالما رآهما تبتعدان .. التفت إلي بغضب : ماذا تظنين نفسك فاعلة ؟!

رفعت حاجبي متظاهرة بالبلادة : ماذا أظن نفسي فاعلة ؟! لا شيء كل ما هنالك أنني أحب دراسة الجرائم و أنت أكثر شخص يعرف ذلك !
- اوه نعم ، لأنني أكثر شخص يعرف ، فأنا أعرف أن هذا ليس هو السبب !

لم أرد.. فأكمل تأنيبه : اسمعيني جيدا يا ويندي ! انسي كل ما رأيتيه تلك الليلة ، انسي كل شيء يتعلق بذلك المجرم ! إنه ليس شخصا يمكنك العبث معه ، أنت لا تزالين صغيرة والمستقبل أمامك ، لماذا تريدين تدمير كل شيء من أجل رغباتك الطفولية ؟! عليك أن تنضجي وتفكري بمستقبلك أكثر !

لم أكن أنظر إليه ، بقيت أحدق في حذائي طوال حديثه ، و حينما انتهى رفعت رأسي ونظرت في عينيه مباشرة ثم قلت بحزم و عناد :
مستقبلي ؟! أليس هذا ما أفكر فيه ؟! أليس هو ما أسعى خلفه ؟! أنت تفكر بمستقبلك كطبيب ناجح ، أما أنا فالبحث عنشادو هو مستقبلي ! <نظر إلي وتنهد يائسا فاستأنفت كلامي : أنت صديقي يا جوني ، بل أفضل أصدقائي ، و لكنك لا تستطيع أن تفهمني لأن طرق تفكيرنا متناقضة تماما ! أنت واقعي تطمح لحياة مريحة هادئة ، أما أنا فأحب الإثارة و المغامرة خصوصا إن كانت خطرة !

سكت قليلا ثم أضفت بهدوء : إن كان الموت ما تخشاه .. فكلنا سنموت في النهاية ، الخوف من الموت أسوء من الموت نفسه كما يقال ، كما أنني أفضل الموت و أنا شابة جميلة على التعفن في دار العجزة و قد سقطت أسناني و أصابني الخرف !

لم ينبس بكلمة واحدة و بدلا من ذلك اكتفى بالتحديق في بحزن ويأس.. لكن العجيب في الأمر أنه لم يعلق على كلمة "جميلة" كما اعتاد أن يفعل كلما سنحت له الفرصة !
لم أحتمل رؤيته هكذا فغيرت أسلوبي في إقناعه و قلت بابتهاج : لا تقلق أنا لست غبية كما تظن ، سأكون في غاية الحذر ولن أخبر أحدا بما شاهدته تلك الليلة أو ما أنوي فعله ، قلت أني لا أخشى الموت وليس أني أريده ! لذلك لا داعي لأن تكون متشائما هكذا !

لم يساعده هذا كثيرا ، فقلت : أوه هيا لا تظهر هذا الوجه الكئيب ! ابتسم وسأعطيك قطعة من الشوكولاته < ثم أخرجت من حقيبتي مغلف شوكولاته و تطلعت إليها بتلذذ : انظر إنها فاخرة و لذيذة جدا ! سأعطيك "نصفها" فقط !

حينها لم يملك جوني إلا أن يضحك قائلاً بسخريته المعتادة : يا لك من بخيلة يا ذات الفم الكبير !

لم يكن يحب الشوكولاته ، لكنه خطفها مني وأكلها كلها .. ليثير أعصابي لا أكثر !

***

تلقيت في اليوم التالي رسالة من الجامعة على بريدي الإلكتروني يهنؤنني فيها على نجاحي في اختبار القبول .. كدت أطير من الفرحة ، أما والداي و أصدقائي فجاءت تهنئتهم فاترة.. لم يهتموا كثيرا ، فما زالوا يعتقدون أن هذا العمل لا يناسبني و لن أنجح فيه .

حسنا .. أظن أنني أتصرف بأنانية نوعا ما .. و لكن إن لم أفعل سأظل نادمة على ذلك ما تبقى من عمري !
الندم على شيء فعلته أفضل من الندم على شيء لم أفعله ، هذا هو شعاري دوما .


من أجل الدراسة في الجامعة .. اشتركت مع كل من جيسيكا ، فلورا و كلوديا لاستئجار شقة في المدينة .
و بدأت الدراسة بسرعة لم أشعر بها .. كانت أول سنة لي في الجامعة ممتعة إلى حد كبير ، كنت أتسلى بالماحضرات ، الأبحاث ، التجارب ، وقراءة الكتب - أي الأشياء التي يراها معظم زملائي مثيرة للضجر - ربما لأني أملك حافزا قوياً يشدني إلى الأمام كلما بدأت بالتراجع ..
كنت أشعر أن كل شيء أتعلمه يمكن أن يساعدني في تحقيق غايتي !

لم أحدث أحدا حتى أصدقائي عنشادو مرة أخرى.. حتى ظنوا أني نسيت أمره تماماً.. مرت أربع سنوات .. لكنه لم يغب عن بالي يوما !


و خلال تلك الفترة لم أسمع أي خبر عن شادوو لم يعلن عن أي جريمة يمكن أن تكون له يد فيها.. لقد أحدثت القضية ضجة كبيرة في وقتها أما الآن .. فلا أظن الكثير يتذكرها !

كانت السنة الأخيرة في كلية العلوم الجنائية مختلفة عن سابقاتها .. فقد تعرفت فيها على الدكتور مايكل كروست ، أستاذ ذو شخصية قد يعدها البعض غريبة لكني أراها مميزة ، كان يعمل طبيبا نفسيا في السجون و مرت فترة عمل فيها مصلحا اجتماعيا في سجن للأحداث ، لذلك فهو يتمتع بخبرة واسعة و معلومات وفيرة عن الجريمة ، ومرتكبيها ، ودوافعها المختلفة .
كنت أستفيد كثيرا من محاضراته و أصغي بانتباه واهتمام شديد لحديثه مما جعلني الطالبة المفضلة لديه .


في أحد الأيام .. و إثر خروجي من المحاضرة الأخيرة لذلك اليوم .. جاءني الدكتور كروست بوجه بشوش ينطق بالإثارة : مرحبا آنسة ماكستر ! كيف كان يومك ؟!
- جيد !

سكت لثوان وهو يتطلع إلي ثم قال فرحا : حسنا.. لدي مفاجأة لك !
ارتفع حاجباي في تفاجؤ : حقا ؟! ما هي ؟!
تلفت حوله وكأنه يتأكد من أن أحدا لا يسمعه ثم أضاف : هذا المكان ليس مناسبا لنذهب إلى مكتبي !

أذعنت لطلبه دون المزيد من الأسئلة و سرت معه إلى الحجرة التي يتشارك فيها مع أستاذين آخرين . كانت فارغة حين دخلناها ، أغلق الدكتور الباب و قال : اجلسي يا آنسة !

اتجهت نحو المكتب أمام النافذة - و الذي عرفت فيه مكتب الدكتور كروست من زياراتي السابقة - و سحبت كرسيا من الزاوية فيما اتخذ هو مقعده خلف مكتبه معطيا ظهره للنافذة المفتوحة ...قال بعدما رآني أجلس باعتدال أمامه : لقد كنت دوما آنسة ماكستر مهتمة بكل ما يخص الجرائم ، و أكثر الطلاب الذي درستهم همة ونشاطا ، لذلك أظن أنا ما سأعرضه عليك سيكون مثيرا بالنسبة لك !

أخذت أصغي بلهفة و فضول شديدين .. انحنى الدكتور للأمام و قال بحماس : هل تذكرين الجرائم الخمسة التي وقعت قبل أربع سنوات ؟!

- أية جرائم ؟!

التمعت عيناه ببريق الإثارة و هو يجيب :أعني مقتل رجال الأعمال الخمسة ، ريستارك وشركائه !!

تصلب وجهي و غص صوتي في حلقي .. لقد قررت مسبقا أن آخذ بنصيحة صاحب الرسالة بعدم الوثوق بأحد ، لذلك يجب علي التصرف بشكل طبيعي و إخفاء ما أشعر به من سعادة و إثارة.

نطقت أخيرا بعد جهد مضن لكبح عواطفي و الرد بصورة طبيعية : اوه.. أظنني سمعت بها قبل مدة طويلة .. القاتل لم يعرف حتى الآن ، أليس كذلك ؟!

بدا مسرورا للغاية لسرعة تذكري سلسلة الجرائم تلك : بلى ! إذن .. هل ترغبين في أن تعرفي عن القاتل ؟!

كان قلبي يخفق بجنون تلك اللحظة و باتت نبضاته العنيفة تتردد في أذني .. يا للحظ ! أن أحصل على ما أريده في الوقت الذي لا أتوقع فيه ذلك !

أجبت بنبرة فيها من الحماس ما يكفي ليجعل الدكتور يواصل حديثه : اوه نعم سيكون هذا مثيرا !
نهض واقفا فجأة وقال : إذن هيا لنذهب !
وقفت بدوري و آمارات الاستغراب تعلو وجهي : إلى أين ؟!
غمز بعينه : ستعرفين قريبا !

ثم انطلق خارجا إلى الممر .. و لم أملك إلا اللحاق به ! ركبنا سيارته التي سارت بنا إلى حيث يريد .

قد يبدو من التناقض أن أذهب مع الدكتور إلى مكان لا أعلمه و أنا التي زعمت الحذر و عدم الوثوق بأحد ، لكن.. لا أظن أن هذا فخ أو ما شابه ! إحساسي يخبرني أن أسلوبا مكررا مليئا بالثغرات مثل هذا لا يتوافق مع شخصية شادو - التي استخلصت طباعها من معلوماتي القليلة و استنتاجاتي الخاصة بشأنه -إن كان يريد قتلي سيستخدم طريقة أذكى و أبرع و بعيدة عن الشبهات ! فهناك عدد لا بأس به من الطلاب شاهدوني أغادر برفقة الدكتور ولن يكون إلا معتوها إن حاول إيذائي بوجود شهود ضده !


مشت بنا السيارة لعشرين دقيقة أو أكثر بقليل ثم بدأت أرى مبنى كبيرا محاطا بسياج ضخم تعلوه الأسلاك الشائكة !
فتحت عيناي على اتساعهما و صحت مذهولة : السجن ؟!!
ابتسم قائلا : نعم !

ما الذي يحدث هنا ؟! هل قبضت الشرطة على شادو ؟! لكنهم لم يقولوا أي شيء عن ذلك ، و وسائل الإعلام من المستحيل أن تتكتم على خبر مهم و مثير كهذا ! لم أعد أفهم شيئا !

نزلنا بعدما أوقف الدكتور سيارته في الموقف المخصص ، و توجهنا إلى بوابة السجن .. أخرج الدكتور رخصته و أراها للشرطي الذي يحرس البوابة فسمح لنا بالدخول على الفور .
اجتزنا عدة ممرات و توقف الدكتور بين حين و آخر للتحدث إلى عدد من رجال الشرطة قبل أن يصحبنا أحدهم إلى غرفة صغيرة مربعة تتوسطها طاولة خشبية بالشكل ذاته و طلب منا الانتظار فيها.. لم أزر السجن من قبل لكن من الواضح أن الغرفة مخصصة للقاء المساجين ..

جلس الدكتور أولا ثم أنا ثانيا بعد أن تم إحضار كرسي لي و انتظرنا .. كانت الحماسة تشتعل في داخلي بشكل لم آلفه قبلا .. أحملق في الباب المغلق بلهفة و أعد الثواني .. حتى فتح أخيرا !

دخل الشرطي وبرفقته سجين مكبل اليدين .. ثم خرج و تركنا نحن الثلاثة لوحدنا !

كان السجين طويل القامة ، عريض المنكبين ، أصلع تماما ، ببشرة حنطية شاحبة .. عادي تماما و ليس فيه شيء مميز .. لحظة ! هل هذا هو شادو ؟!! مستحيل ! إنه مختلف تماما عما تخيلته !

همست للدكتور و صوتي يرتعد : هل هذا .. هو القاتل ؟!
أجابني ضاحكا : لا يا عزيزتي ، هذا من سيخبرنا عنه!

لا أدري لماذا و لكن الارتياح غمرني بعد عبارته الأخيرة .. ربما لأن الصورة المهيبة التي رسمتها له في مخيلتي لم يثبت خطؤها بعد !

ألقى السجين بجسده بلا مبالاة على الكرسي قبالتنا و مد ساقيه تحت الطاولة حتى كادت قدماه تلامسان حذائي و قال بنبرة ضجرة : ماذا تريدون مني ؟!

وضع الدكتور مرفقيه فوق الطاولة ثم شرع يتحدث و هو يشبك أصابعه ببعضها : وصلني أنك تعرف معلومات .. عن قاتل ريستارك وشركائه الأربعة !

عقد حاجبيه متجهما .. ثم أطلق ضحكته باستخفاف : آه إذن.. جئت تسأل عن"الكونت دراكولا"؟!

اندفعت أسأل دون إذن :"الكونت دراكولا"؟!
أجابني مبتسما في سخرية : نعم.. هكذا كنا ندعوه !

عاد الدكتور يقول : سمعت أنك كنت تعمل سابقاً مع إحدى عصابات المافيا الإيطالية ، وعندما انهارت سلمت نفسك للشرطة .. أخبرني ما حدث !

رفع السجين بصره إلى السقف و استغرق في التأمل ..ثم تكلم و كأنه يحكي حلما يراوده :
كان هو .. الكونت دراكولاهو السبب ! لقد دمر عصابتنا ، و قتل قادتنا واحدا تلو الآخر .. فلم أجد بدا من تسليم نفسي للشرطة .. فكرت أن ذلك سيكون أكثر أمانا لي ..

سألت و رعشة تسري في يدي : إذن .. فأنت تقول أن الرجال الخمسة لم يكونوا .. آخر ضحاياه .. أعنيالكونت دراكولا ؟!
ظهر الاستهجان شديدا على ملامحه حين طرحت سؤالي : بالطبع لا ! ذلك الوحش لن يتوقف عن القتل ما دام على قيد الحياة !

صمتنا لبضع لحظات .. ثم تحدث الدكتور : أخبرنا كل ما تعرفه عنالكونت دراكولا كما تسميه !

أرجع ظهره إلى الوراء و قال متجهما : لو كنت أعرف شيئا مفيدا عنه لما رأيتني "حيا" هنا <ثم أضاف بعد سكوت قصير : كل ما نعلمه أنه زعيم ومؤسس منظمة اغتيالات يلقب أفرادهاب"العقارب"! إنها ليست ضخمة أو واسعة النفوذ كالمافيا ، لكنها أكثر احترافا و مهارة ، و أعضاؤها من مختلف الجنسيات و الأعمار و المهن ، و هم جميعا مخلصون لزعيمهم حتى الموت !

- لكن.. ما سبب عدائه للمافيا الإيطالية ؟!

- كنا متحالفين مع عدو له.. و قد حذرنا"الكونت"من العواقب الوخيمة التي تنتظرنا إن لزمنا جانب عدوه ، لكننا لم نأبه لتهديده ، سخرنا و استخففنا و تمادينا في عقد التحالفات مع خصومه .. حتى فات الأوان و لم ننتبه إلا حين سقطنا مهزومين !

سألت : لكنكم أكثر عددا وعدة منهم ! فكيف تمكنوا من هزيمتكم ؟!

تنهد قائلا : الأعداد الكبيرة والأسلحة المتطورة ليست كل شيء ، و يا ليتنا أدركنا ذلك من البداية ! لقد انتصروا علينا لأنهم كانوا يفكرون و يخططون جيدا قبل فعل أي شيء ! لم يكن العقارب عنيفين و متسرعين مثلنا .. بل هادئين ، متأنين و منصاعين تماما لأوامرالكونت ، الذي كان في غاية الدهاء والمكر ، يضرب المكان المناسب بالسلاح المناسب وفي الوقت المناسب !

لم أتخيل للحظة واحدة أنشادو أوالكونتيقود منظمة كاملة من المغتالين المحترفين ! إنه أكبر شأناً بكثير مما كنت أتصور !

خيم صمت ثقيل يتخلله التوتر و الحذر .. و ما لبث السجين أن قطعه فجأة بصوته البارد : إن كنتم تفكرون في السعي وراءه فلا أنصحكم بذلك أبدا ! إنه قاس متحجر القلب ، و لن يرحمكم إن حاولتم اعتراض طريقه !

تجاهل الدكتور تحذيره و نهض قائلا : شكراً على ما أمدتنا به من معلومات .. طاب يومك !
انتصبت واقفة أنا الأخرى و عندما كاد الدكتور يبلغ الباب.. توقف لحظة ثم استدار إلى السجين مستدركا : صحيح ! هل تعرف شخصا يملك معلومات قد تفيدنا ؟!
أغمض السجين عينيه ولم يجب .. و عندما يئس الدكتور من رده أكمل طريقه وأمسك قبضة الباب ليفتحه..

-الساحر رانكورت !

التفتنا إليه باندهاش .. و أربكت المفاجأة الدكتور : الساحر رانكورت ؟!! هل.. هل تعني الساحر الفرنسي المشهور لويس رانكورت الذي اختفى منذ سنتين تقريبا ؟!

- نعم .. إن كان ما يزال حيا ، فلابد أن بحوزته الكثير من المعلومات ! كان حاضرا عندما بدأت معركتنا مع الكونت.. يكتفي بالوقوف متفرجا و يبتسم ساخرا ناعتا إيانا بالمغفلين ! لابد أنه الآن مختبئ كما الفأر في جحره خوفاً من"لدغة العقرب"!

عاد الدكتور يتمتم بشرود : الساحر رانكورت .. لم أتوقع شخصا كهذا !

ظل مشوشا لفترة .. و حالما استعاد بشاشته شكر السجين .. ثم غادرنا !












رد مع اقتباس