عرض مشاركة واحدة
  #43  
قديم 03-21-2016, 04:08 PM
 




الفصــل التاسـع






مضت أربعة أشهر على لقائي بذلك السجين.

أنا الآن .. قد تخرجت بإمتياز من الجامعة .
والكثير من الفضل يعود إلى الدكتور كروست فقد ساعدني بخبرته الواسعة وتجاربه الوفيرة على توسيع آفاق تفكيري وجعله أكثر مرونة و إتزانا ، و قد حصل مشروع تخرجي حينها على تقيم عال !

و احتفلت مع أسرتي وأصدقائي في القرية بهذه المناسبة .. لم يقتنعوا و لو للحظة أن قراري كان صائبا.. لكنهم كانوا مسرورين لأني نجحت في فعل "شيء ما"!


عدت بعد أسبوعين إلى المدينة برفقة أصدقائي.. و لأنني رغبت في رؤية الدكتور كروست اتجهت إلى منزله..

طرقت الباب مرة و قفت أنتظر.. لم يرد أحد و لم أسمع كذلك وقع خطوات في الداخل ، لذلك طرقت مرة أخرى.. و حينما طال انتظاري ، بدأت أشعر بالقلق.. كنت على وشك الذهاب لسؤال الجيران عندما انفتح الباب فجأة و ظهر الدكتور كروست !

ابتسم عند رؤيتي وقال ببشاشته المعتادة : اوه هذه أنت ويندي الصغيرة ! أعتذر على تأخري في استقبالك ، كنت مشغولاً و لم أنتبه لصوت الجرس !

- اه آسفة على مقاطعتك إذن ! يمكنني المجيء في وقت لاحق ! < كنت أستدير ﻷغادر و لكنه استوقفني قائلاً : لا يا صغيرتي لا تذهبي ! الأمر لم يكن بتلك الأهمية ، كنت أحزم حقيبتي فقط !

قلت متفاجئة : تحزم حقيبتك ؟! هل ستسافر ؟!

- نعم ، ستقلع طائرتي في الساعة الثامنة مساء إلى باريس ! لذلك فقد جئتي في الوقت المناسب حتى أودعك قبل سفري .

ثم تراجع ليسمح لي بالدخول.. خطوت للداخل و أنا أسأل : ولكن يا دكتور لماذا تريد السفر إلى باريس بهذه السرعة ؟!
أجابي بينما يسير إلى المطبخ : لدي عمل مهم هناك !

جلست على اﻷريكة و عاد الدكتور يحمل فنجانا من الشاي ناولني إياه ثم جلس على كرسي يميناً مني.. سكت لبعض الوقت بعدها تحدث إلي قائلاً : هل تذكرين ما قاله ذلك السجين قبل عدة أشهر ؟!

- نعم ، أذكر ذلك !

أكمل وهو يشبك أصابعه ببعضها : إنني ذاهب إلى باريس بسبب ذلك !

- ماذا تعني ؟!

ضحك قائلاً : أريد البحث عن"جحر العقارب"!!

- ماذا ؟! تبحث عنالعقارب في باريس ؟! و لم باريس بالذات ؟!

- ربما لا تعلمين ولكن فرنسا <و باريس بشكل خاص> لديها أكبر نسبة لجرائمالعقارب ! لهذا يعتقد أن مركز المنظمة.. هناك !

هذا عجيب جدا باريس ؟!! إنها آخر مكان في الدنيا يمكن أن أتخيله معقلا لتلك المنظمة ! و ربما لهذا السبب تم اختيارها ، فليس مألوفا عن هذه المدينة وجود منظمات إجرامية ذات مستوى عال !

شكل كلامه هذا مفاجأة كبيرة لي.. و من النوع المثير ، قلت و أنا أحاول التخفيف من انفعالي : إذن فأنت يا دكتور تريد التحقيق في أمرهم ! و لكن هذا أمر شديد الخطورة !!

- أجل أعلم هذا تماماً ، لكن الخطر لن يردعني ! هل يمكنك فقط أن تتخيلي حجم النجاح الذي سأحققه إن تمكنت من كشفهم ؟! إن أردت شيئاً فعليك التضحية بشيء آخر ! وكلما كان ذلك الشيء كبيراً تطلب المزيد من التضحية ! وأنا لا يمكنني أن أحقق نجاحاً عظيماً بمجرد لقائي مجرمين عاديين ! لذلك لا أمانع بالمخاطرة بحياتي مقابل تحقيق هدفي !

التزمت الصمت لفترة ولم أجادله ، و كيف أفعل ذلك أصلا وأنا أفكر بالطريقة ذاتها ؟!

سألته : ولكن هل ستذهب وحدك ؟!
أجابني عابسا : نعم.. لم أجد شخصاً يوافق على مرافقتي ، كلهم جبناء و متخاذلون !

إنها فرصتي ! ويجب أن أستغلها فربما لن يأتي غيرها ، لكن علي أن أخفي حماستي المشتعلة و أتصرف بطريقة طبيعية .

تكلمت بنبرة عادية : يمكنني مرافقتك ! <ثم استدركت قائلة : إن لم يكن لديك مانع طبعاً !
دهش الدكتور كروست تماماً و قال : ترافقينني ؟! ولكنك لا تبدين مهتمة بالأمر ، كما أنك لا تزالين مبتدئة !

- لا.. إنني أرى هذا الأمر مثيراً ! كما أنها فرصة ذهبية بالنسبة لي حتى أتعلم من خبير مثلك !

- ولكن يجب أن يكون في علمك.. أنك قد لا تتمكنين من العودة إلى هنا مجدداً !

- أجل ، أدرك ذلك.. و أقبل المخاطرة !

تنهد الدكتور و قال : حسنا إذن !

وقفت فجأة : أوه صحيح ! يجب أن أذهب حالا من أجل الحجز في رحلة اليوم !

- لا تقلقي بشأن هذا ! سأتولى أنا هذا الأمر.. أما أنت فاذهبي لتعدي نفسك للسفر !

- آه شكراً دكتور كروست !


انطلقت إثر ذلك متجهة إلى شقتنا.. كانت فلورا والأخريات جالسات يتحدثن ويضحكن.. و عندما دخلت التفت إلي فلورا قائلة : كنا نتحدث عنك ! بالمناسبة يا ويندي لم تخبرينا أين ستعملين ؟!

أضافت جيسيكا : نعم ، هل ستنضمين إلى المباحث الجنائية ؟!

ثم أردفت كلوديا : أم تفضلين العمل الحر ؟!

أجبت : ليس الآن ! سأفكر في هذا الموضوع لاحقاً !

نظرن إلي بتعجب يمتزج بالاستنكار .. ثم سألت فلورا باستهجان : ومتى إذن ؟!

- عندما.. أعود من رحلتي !

صحن بصوت واحد : سترحلين ؟!!

- نعم !

- إلى أين ؟!

- إلى.. فرنسا !

- فرنسا ؟!! وماذا ستفعلين هناك ؟!

- همم.. في الحقيقة إن الدكتور كروست يخطط لمشروع كبير يمكن أن يحقق له نجاحاً باهراً.. و هو يحتاح إلى مساعد ، و بما أنني كنت طالبته المفضلة فقد عرض علي ذلك ، و بالطبع لم أرفض فقد ساعدني الدكتور كثيراً وهذا أقل ما يمكنني فعله من أجله !

- آه هكذا إذن !

- والآن عن إذنكن ! سأذهب لأجهز نفسي !

رميت أغراضي بلا ترتيب في حقيبتي ثم أغلقتها و نزلت أجرها خلفي.. اتصلت بأمي قبل خروجي كي أخبرها بسفري .. لم تبدو مقتنعة تماماً و كانت تشك في الأمر .. لكنها وافقت على مضض بعد أن حدثتها عن الدكتور فهو شخصية موثوقة .
اقترب موعد الرحلة.. فودعت صديقاتي ثم غادرت الشقة إلى المطار !


وجدت الدكتور هناك جالساً في صالة الإنتظار.. سلمت حقيبتي ثم انضممت إليه .
و بينما نحن جالسون ننتظر.. لمحت شخصاً قادماً باتجاهنا.. إنه جوني !

نهضت من مكاني و هرولت إليه و علامات الاستفهام تحلق فوق رأسي.. قال معنفا حالما اقتربت منه : تسافرين دون أن تخبريني بذلك ، أيتها الحمقاء !

- آسفة ، كنت على عجلة من أمري !

- هل سترحلين <حقاً> إلى فرنسا من أجل مساعدة الدكتور في مشروعه ؟!

- نعم !

- هل هذا هو السبب فعلاً ؟!

- نعم ، ولم قد أكذب عليك ؟!

قطب جوني جبينه.. لم يبد عليه أنه صدق ولو حرفاً واحداً من كلامي ، أضاف : حقاً ؟! أليس للأمر علاقة بمجرمك المجهول شادو ؟!!

فوجئت تماماً من سرعة بديهته و قلت كاذبة : لا.. أبدا.. إنني بالكاد أذكره حتى ! لقد مضى زمن طويل على ذلك ولم أعد مهتمة بالأمر !

- اسمعيني جيداً تستطيعين الكذب على أي شخص إلا أنا ! فأنا أكثر من يعرف طباعك المجنونة ، و أعلم يقيناً أنك لم تنسي ذلك المجرم لحظة واحدة و إن حاولت التظاهر بذلك !

لم تعد هناك فائدة من الإنكار و المواربة.. لذلك ضحكت معترفة : لقد كشفتني !

تنهد ثم قال : أنت عنيدة برأس يابس ، و أعلم أن الكلام معك عديم الجدوى ! فعندما تدخل فكرة رأسك لا يمكن لأحد إخراجها أبدا ، لهذا كل ما أرغب بقوله هو..<أكمل وهو يضع يده على كتفي برفق : كوني حذرة ! و اعتني بنفسك جيداً ، و .. لا تنسي أن تتصلي بي دائماً !
اعتلت وجهي ابتسامة عريضة : أعدك بذلك ! فلا تقلق !

فأزاح بصره عني و أردف شاردا : لو أنك فقط لم تحشري أنفك في هذا الأمر من البداية ، و لم تذهبي إلى ريستارك.. لم يكن ليعرف ذلك المجرم شيئاً عنك ! إنه - و إن كان لم يحاول قتلك - يراقبك بكل تأكيد ! وإذا ما شعر أنك قد تسببين له المشاكل فقد...

- أتدري ؟! إن هذا الأمر يشغل تفكيري كثيرا في الآونة الأخيرةً.. نحن نفترض أنه لم يعلم بشأني إلا حين زيارتي لريستارك.. لكن ماذا لو.. لو أنه كان يعلم منذ البداية ؟! ماذا لو أنه رآني تلك الليلة ؟!!

فتح جوني عينيه على اتساعهما وقال مشدوها : ماذا ؟!!

فهززت رأسي و أضفت عابسة : لا أدري.. إنها مجرد فكرة خطرت على بالي..


في تلك اللحظة.. أشار الدكتور إلي قائلاً : هيا يا ويندي ، لقد حان موعد رحلتنا !

- سآتي من فوري يا دكتور ! والآن.. سأودعك يا جوني !ة، اعتني بنفسك ! واهتم بدراستك جيداً ! يجب أن تصبح أفضل طبيب في بريطانيا كلها !

عبس في وجهي قائلاً : لا تتحدثي وكأنك تملين علي وصيتك أيتها الغبية ! أنا لن أسامحك طيلة حياتي إن أصابك مكروه ، و لن أقول لك وداعاً.. بل إلى اللقاء ، نحن جميعاً.. سنبقى في انتظار عودتك !

- شكراً لك جوني ! أراك لاحقاً !

لوحت له بحرارة ثم سرت مبتعدة عنه و انطلقت برفقة الدكتور إلى طائرتنا .
عندما جلسنا أخيراً على مقاعدنا.. و شرعت الطائرة في الإقلاع.. لم أرفع نظري عن النافذة ، كنت أنظر كل الوقت إلى المدينة و نحن نبتعد عنها في السماء شيئاً فشيئاً.. ترى هل سأعود إليها مجدداً ؟!!

ظللت سارحة طوال الرحلة غارقة في عالم أفكاري .. و مضى الوقت بسرعة و لم أشعر إلا والطيار يطلب إلينا وضع أحزمة الأمان استعدادا للهبوط في مطار باريس !


نزلنا من الطائرة و أخذنا حقائبنا.. ثم تحدث الدكتور إلي على عجلة : سنذهب إلى فندق قريب حتى نقضي فيه ليلتنا.. يجب أن ترتاحي جيداً ، سيكون لدينا في الغد موعد مهم !

- موعد ؟! مع من ؟!

- مع المحقق أوتيير ! إنه المحقق الذي تولى قضية الشركاء الأربعة لريستارك قبل أربع سنوات !

- اوه حقاً ؟!

- نعم ، أظن أنه قد يفيدنا..

استقلينا سيارة أجرة و ذهبنا إلى فندق قريب.. لم يكن فاخرا لكنه مريح تماماً .

استيقظت نشيطة صباح اليوم التالي بعد ليلة مريحة و نوم هانئ ، و بعدما ارتديت ثيابي نزلت إلى مطعم الفندق.. وجدت الدكتور هناك فتناولت معه الإفطار..

خرجنا إثر ذلك من الفندق و قال الدكتور فيما نعبر الشارع : سنذهب إلى منزل المحقق أوتيير مشيا على أقدامنا.. فهو قريب من هنا !

- ظننت أننا سنقابله في مركز الشرطة..!

- أخبرني أن ذلك سيكون أفضل و أكثر سرية !

- أجل ، فهمت .

واصلنا المشي لعشر دقائق فوق الأرصفة ثم بين صفوف من البيوت المتشابهة .. قبل أن يتوقف الدكتور أخيرا أمام أحدها قائلاً : هذا هو منزل المحقق !

عبرنا حديقة المنزل الصغيرة و قرعنا الجرس.. لحظات و فتحت لنا الباب امرأة لطيفة قاربت الخمسين من عمرها و قالت مرحبة : أوه لابد أنك الدكتور كروست و..

نظرت نحوي مستفهمة فأجاب الدكتور سريعا : إنها مساعدتي !

- أوه أجل ، تفضلا بالدخول ! زوجي ينتظركما في مكتبه !

دخلنا و السيدة تقودنا.. كان السيد أوتيير جالساً خلف مكتبه الكبير المرتب و أمامه ثلاثة رجال !

نهض من مكانه وتقدم إلينا مسرورا : ها قد جئت دكتور كروست ! أهلا بك !
تصافحا بحرارة ثم التفت إلي متسائلا.. فقلت معرفة عن نفسي : أنا مساعدته واسمي ويندي ماكستر ، تشرفت بمعرفتك سيد أوتيير !
تقدم وصافحني قائلاً : آه أهلا وسهلا بك آنسة ماكستر ، تسرني مقابلتك !

تحدث الدكتور إليه مستغرباً و يوزع نظراته الفاحصة بين الرجال الغرباء : لم أظن أن هناك غيرنا !

فرد السيد أوتيير بمرح : آه يا عزيزي لست وحدك من يتحلى بالجنون ! <ضحك الرجال الثلاثة.. و أردف السيد أوتيير : دعني أعرفك عليهم ..<التفت إلى الرجل المهندم و الجالس باعتداد في الجهة اليمنى و قال : هذا هو السيد آلفين آوتنبورغ محقق ألماني خاص ! أما الذي بجانبه فهو السيد دان بيكارت و هو شرطي يرافق المحقق آوتنبورغ في عمله <ثم استدار إلى الجهة اليسرى وقال : أخيراً.. المحقق الأمريكي الوسيم ستيفن كلارك !

رائع ! لم أتوقع أن يشارك غيرنا في أمر خطير كهذا ، و من دول مختلفة أيضاً ! أظن أن هذا سيجعل مغامرتنا أكثر إثارة و متعة ، فأولئك الأشخاص يبدون مثيرين للإهتمام ! السيد آوتنبورغ يبدو رجلاً عمليا جاداً و ذو كفاءة عالية رغم ما يحيطه سحنته من برود و غرور ! و بالنسبة لبيكارت فهو شاب في الخامسة أو السادسة والعشرين و هو على النقيض من المحقق الالماني يبدو أبلها تشع البلادة و الحيرة من وجهه ! أما الأمريكي كلارك فهو الأروع بينهم ، بغض النظر عن وسامته فهو يملك شخصية مرحة ساحرة ، وابتسامة عذبة لا تفارق وجهه !

تبادلنا التحية ، ثم جلسنا.. و وزع مضيفنا الفرنسي نظراته بيننا ثم قال : والآن من أين تريدون أن نبدأ ؟!
تكلم المحقق الألماني أولاً : أخبرنا كل ما تعرفونه عن الكونتو منظمته !

تنهد السيد أوتيير وقال بكآبة : للأسف لا نملك الكثير مما يفيد ! فأولئك المجرمون في غاية الحذر و هم لا يتركون أي أثر خلفهم !

سأل كلارك : إذن فأنتم لم تتمكنوا من الإمساك بأي منهم أليس كذلك ؟!

- بلى ، لسوء الحظ !

حينها قال المحقق آوتنبورغ و صدره يرتفع في ثقة و اعتزاز : إذا كان الأمر كذلك.. فأظن أن ما لدي سيثير اهتمامكم !

التفتنا إليه كلنا و قد نجح ببراعة في جذب انتباهنا عبر عبارته الأخيرة فقط.. أردف : أنا أعرف واحداً منهم !!

حدقنا فيه مدهوشين و سأل الدكتور متفاجئا : ماذا ؟! هل تعني أن الشرطة الألمانية قبضت على أحدهم ؟!
فارتمت الخيبة على وجه الألماني و هو يقول : لا ، ليس بعد..و لكنني أعرفه "وهو" يدرك ذلك تماماً !

سألت أنا للمرة الأولى : إن كان يعلم أنك تعرف حقيقته.. ألن يجعله ذلك يحاول قتلك كيلا تفضح أمره ؟!!

تبسم في غيظ ولم يجب..

فقال كلارك حائراً : اشرح لنا من فضلك !

- هل سمعتم خبر موت العسكري الألماني المتقاعد رودولف إيردمان ؟!

رد المحقق الفرنسي وقد بدا عليه الفهم : اوه نعم ، لقد عرفت بالأمر قبل عدة أسابيع .. و لكن ألم يكن موته طبيعياً ؟! إذ كان عجوزا معتل الصحة ..

- لا لم يكن كذلك !

- هل تعني أنه .. قتل ؟!

- أجل ، إن شرطتنا متأكدون تماماً أنه قتل على يد العقارب! فقد جاء إلى مركز الشرطة قبل موته ببضعة أيام وطلب منهم حمايتهم قائلاً أنالعقاربهم من قتلوا زملائه و أنه سيكون التالي ما لم تقم الشرطة بحمايته !

انحنى كلارك للأمام و استفسر بحماس : وأنت تعرف قاتل السيد إيردمان ؟! حدثنا عن الأمر إذا سمحت !

استرخى المحقق آوتنبورغ في جلسته ثم شرع يقول :
حسنا.. لقد حدث هذا في فرانكفورت قبل عدة أسابيع .. قدم السيد إيردمان إلى المفتش بيرترام -وهو أحد أصدقائي القدامى- وطلب إليه أن يرسل بعض رجال الشرطة إلى منزله لحمايته خوفاً من هجومالعقاربالذين يتربصون به . استجاب المفتش لطلبه و أرسل أربعة من أفضل رجاله لحراسته . كان السيد إيردمان يعيش وحيداً و ليس له أقارب سوى حفيد وحيد يعيش مستقلاً بعيداً عن جده . لم يلاحظ الرجال أي شيء غير طبيعي.. كانوا يفتشون كل من يزور ذلك العجوز و يتناوبون في حراسة منزله ليلاً حتى لا يتسلل أحد إليه.. كما كانوا يتولون إيصاله إلى المشفى -فقد كان مصاباً بالسكري و الروماتيزم و كل تلك الأمراض التي تصيب أمثاله من كبار السن- ثم إعادته إلى بيته..

لكن كل ما فعلوه ذهب أدراج الرياح ! فقد بدأت صحته تسوء كثيراً حتى لم يعد قادرا على الحركة أو الكلام .. ثم مات بعد نقله إلى المشفى في أقل من ساعتين ! واتضح من الأعراض التي ظهرت عليه أنه قد سمم بسم قوي بطيء المفعول عديم الأثر.. النوع الذي يفضلهالعقارب! كان المشتبه الأول بالجريمة هو طبيب السيد إيردمان ! إذ كان الشخص الوحيد القادر على دس السم له دون أن يشك في أمره ، لهذا فقد أوقفته الشرطة !

سمعت عن الموضوع من صديقي المفتش فشعرت بفضول كبير لإكتشاف حقيقة هذه المنظمة وأهدافها من تلك الجرائم .. و ارتأيت أنه يجب علي أن أبدأ بالتعرف على شخصية الضحية أولاً ، حتى أتمكن بعدها من الوصول إلى القاتل ! شخصياً لم أكن مهتماً بالطبيب الذي ارتكب الجريمة بل بمن يقف خلفه و يوجهه.. الكونت!

حضرت أنا و المفتش الجنازة و تفاجأت إذ لم يكن فيها إلا حفيده الشابإيريكوسيدة في أول الخمسين -علمت فيما بعد أنها جارة السيد إيردمان- .. خطونا أنا وصديقي نحو إيريك و قدمنا له التعازي ثم تكلم المفتش معتذرا : إننا متأسفون للغاية لموت جدك ، ولكننا فعلنا ما بوسعنا..

فما كان من إيريك ألا أن قال : لا بأس ، لقد عملتم ما باستطاعتكم لحمايته.. لكن ما حدث قد حدث !

رمى كلماته بلا مبالاة ملفتة .. لم يبد حزيناً أو متأثراً على الإطلاق ! و عندما لاحظ اسننكارنا لردة فعله.. علل قائلاً : قد يبدو غريباً أن لا أبدو حزيناً على موت قريبي الوحيد.. لكن لم تكن تربطنا علاقة أسرية متينة ، فبينما كان هو مشغولاً بعمله طوال الوقت كنت أنا منكبا على دراستي ، ولم أكن أزوره إلا في المناسبات أو الأعياد !

سألته : برأيك من قد يرغب في موت جدك ؟!

هز كتفيه و أجاب دون إهتمام : الكثير ! فجدي لم يكن محبوباً من أحد !

- هل تظن أن طبيبه هو من ارتكب الجريمة فعلاً ؟! وإذا كان كذلك فما الدافع ؟!

- حسناً ، لا أظن أن الطبيب قد يقدم على ذلك بدافع شخصي.. و لكنه قد يفعلها إذا دفع له شخص بالمقابل !

- فهمت..


بعد الجنازة رافقت جارة السيد إيردمان إلى بيتها.. و في الطريق انتهزت الفرصة لأسألها : بماذا تفكرين عن السيد إيردمان ، سيدتي ؟!

فعقدت حاجبيها و أجابت بامتعاض : لم يحبه أحد ، كان رجلا غريب الأطوار ! أظنك تعلم أنه كان من شبيبة هتلر في الحرب العالمية الثانية ، كان يظن نفسه لذلك من أصحاب العرق السامي.. و ينظر إلى غيره من الناس بدونية و استحقار !

- هكذا إذن !

- و ابنه -والد إيريك- كان رجلاً فظيعا ! لا يشغل باله سوى المال و لم يكن يهتم بإيريك أبدا !

- حقاً ؟! وماذا عن أم إيريك ؟!

- إنها أسوأ ! ربما لا تعلم ولكن إيريك ليس ابنا شرعياً.. و كان يعيش مع أمه حتى بلغ الرابعة ثم رمت به عند جده قائلة أنها تريد الزواج و لا يمكنها أن تأخذه معها.. إنه فتى مسكين حقاً ، لقد كان هذا قاسياً جداً عليه !

- نعم ، هذا قاس بالفعل ، ولكن يبدو أن إيريك قد تجاوز هذا الأمر !

- إنه ولد عجيب ! عندما كان في الخامسة لم يكن يتكلم أو يلعب مع أحد مطلقاً كان يمضي وقته وحيداً يراقب الأطفال الآخرين بحزن عميق ! فلم يكن لديه من يحبه أو يهتم لأمره.. كنت أشفق عليه كثيراً و أحاول مساعدته غير أنه كان يركض مبتعدا عندما أناديه.. لكن كل شيء تغير فجأة !

- ماذا تقصدين ؟!

- حينما كان في السادسة.. اختفى من منزل جده ، و عندما سألت السيد إيردمان عنه رد بأنه نقله إلى مدرسة خاصة في برلين ! و بعد مضي أربع سنوات عاد مجدداً إلى بيت جده.. و لكنه هذه المرة كان شخصاً مختلفاً تماماً !!
لم يعد ذلك الطفل الكئيب الخائف.. أصبح صلبا ، ذكيا ، واثقاً من نفسه!! و كنت أرى جده لأول مرة سعيدا و فخورا بحفيده !

- هذا عجيب حقاً !

- نعم ، تماماً

- لكن ماذا حل بوالديه ؟!

- لقد مات أبوه قبل خمس سنوات ، أما أمه فلا أعلم عنها شيئاً لأنها سافرت فور زواجها !

سكت لبرهة ثم سألت مجدداً : هل تذكرين آخر مرة زار إيريك فيها جده ؟!

- آه.. أظنها كانت قبل وفاته بخمسة أيام..

ابتسمت قائلاً : اه هكذا إذن !



نظر المحقق آوتنبورغ إلينا مبتسما بمكر.. فصاح كلارك قائلاً : مهلا.. لا تقل أن..

- بلى.. لقد كان هو.. إيريك إيردمان.. هو"العقرب"!

وقعت المفاجأة قوية علينا لكننا التزمنا الصمت متلهفين لسماع المزيد .. فإستأنف المحقق آوتنبورغ كلامه :
بعد أن أوصلت السيدة إلى بيتها.. توجهت إلى منزل السيد إيردمان فقد أخبرني المفتش أنه سيكون متواجدا هناك لإنهاء كافة الإجراءات والتحقيقات .

كان واقفاً في الصالة برفقة إيريك.. خطوت نحوهما.. فقال المفتش لي حينما رآني : إذن هل حصلت على شيء مفيد من تلك السيدة ؟!

أجبته كاذبا : لا لم أحصل على شيء ذي قيمة !

ثم التفت إلى إيريك وأضفت متظاهراً بالبراءة : لكن .. لم أكن أعلم عن معاناتك مع عائلتك و معاملتهم السيئة لك وكم كنت حزينا و وحيداًً في طفولتك ! لابد أن هذا كان صعباً جداً عليك !

جازفت برمي هذه الكلمات وأنا أنتظر ردة فعله لسماعها.. و لكنه فاجأني تماماً عندما هز كتفيه وقال دون اهتمام أو تأثر : نعم ، لكن هذا الأمر انتهى منذ زمن طويل وإنني بالكاد أذكره ، كما أنه ليس سرا فكل سكان الحي يعرفون عنه !

- آه بالطبع..<وأضفت بشكل عرضي : سمعت أنك زرت جدك قبل خمسة أيام من وفاته !

حدق المفتش في مستفهما.. أما إيريك فلم يرتبك او يتوتر البتة و أجاب بطريقة طبيعية تماماً : أجل فعلت ، فقد اتصل بي جدي و طلب مني الذهاب إلى البنك لسحب بعض المال من حسابه .. كان مريضاً كما تعرف و لم يكن في مقدوره الذهاب بنفسه !

- اه هكذا إذن ! وهل كان ذلك في وجود الشرطة ؟!

- نعم ، لم يكونوا يعلمون أنني حفيده فقاموا بتفتيشي !

إن ذلك الشاب ذكي حقاً ! و لم يقع في شراكي ، لكنني لم أستسلم .. كل ما علي الآن هو الصبر فقط وانتظار ما سيحصل .

بعد دقائق خرجت أنا من المنزل بصحبة المفتش ورجاله بعدما انتهى عملهم فيه و لم يعد لديهم سبب للمكوث أكثر.. و عندما ركبنا السيارة تحدث إلي صديقي قائلاً : ما الذي تفكر فيه يا آلفين ؟! لا تقل لي أنك تشك في ذلك الشاب !

ابتسمت في ثقة وقلت : بلى !

- لكنك لا تملك أي دليل ضده ! إنه خارج الشبهة تماماً !

- نعم ولهذا أشك فيه ، إنه بعيد عن الشك بطريقة مريبة !

تأفف المفتش وقال بنفاذ صبر : إنني لا أستطيع أن أفهم كيف تفكر ! و لكن يجب أن تعلم أن اتهامك لشخص دون وجود أي دليل ضده سيسيء إلى سمعتك كثيراً كمحقق ناجح !

- لا تقلق سيظهر دليل ما !

- هل أنت مجنون ؟! إن كان هو القاتل "فعلاً" هل تظن أنه سيقف متفرجا وأنت تنقب عن دليل يثبت إدانته ؟!!

- لا تقلق يا صديقي ! سأكون حذراً ، كما أن هذا الأمر يستحق المخاطرة !


في اليوم التالي...
كنت جالساً في بيتي أمام التلفاز أشاهد الأخبار.. عندما رن الجرس .. نهضت من مكاني واتجهت نحو الباب.. ثم فتحته..

و شهقت عندما رأيت الطارق.. لقد كان.. إيريك !!











رد مع اقتباس