عرض مشاركة واحدة
  #101  
قديم 05-16-2016, 07:48 PM
 





الفصل التاسع عشر





صاح جوني : لا أصدق ! هل هذه أنت فعلاً ؟!

فأطبقت ويندي فمه بيدها و همست : أخفض صوتك ! سيسمعك أؤلئك الرجال !

و تحدثت فلورا و عيناها مفتوحتان على اتساعهما من الدهشة : ويندي ! ما الذي حصل لك ؟!! وما هذا الشكل الجديد ؟!! تبدين مثل رجال العصابات ! لم أكن لأستطيع التعرف عليك لولا الأغنية التي اعتدنا نحن و جيسيكا ترديدها في الروضة !

ضحكت ويندي باستمتاع بالغ ، ثم قالت بابتهاج : حقاً ؟! لقد غيرت مظهري كيلا يتعرف الناس علي من جهة ، و نوع من التغير من جهة أخرى .. ما رأيكما ؟! ألا أبدو رائعة ؟!

كانت قد قصت شعرها -القصير أصلاً- و رفعت معظمه عن جبهتها لتبدو كالرجال تماماً ! هذا بالإضافة إلى طبقات من المساحيق التي وضعت لتغطي ملامحها الأنثوية ، و تظهرها أكبر سنا مما هي عليه في الحقيقة !

عبس صديقاها في عدم موافقة.. و قال جوني متهكما : رائعة ؟! لا أظنني كنت سأستخدم كلمة كهذه لوصفك !

فمطت ويندي شفتيها كالأطفال ، و قالت ببعض الاستياء : تبا ! ألا تعرفان كيف تجاملان على الأقل ؟!

فهتف جوني معنفا و قد ثار فيه الغضب : نجاملك ؟! أين تعيشين أنت ؟! الشرطة تطاردك ، و تنشر صورك في كل مكان كمشتبه أول في ارتكاب جريمة ، و أنت تجلسين هنا بلا مبالاة و كل ما يشغلك هو تصفيف شعرك ؟!

و هزت فلورا رأسها بقوة و أضافت : نعم ، جوني محق ! ماذا فعلت ليحدث كل ذلك ؟! و لماذا تهربين من الشرطة ؟! نحن نعلم أنك لم تقتلي الدكتور !


حينئذ التفت ويندي نحو الساحر الذي كان يجلس بهدوء ، و يطالعهم بنظرة غامضة ممسكا بيده كأساً من شراب قرمزي اللون ، ثم عاودت النظر إلى رفيقيها لكن بطريقة مختلفة كلياً ! فهذه المرة كانت نظراتها حادة صارمة ! قالت بنبرة قوية حازمة و هي تلتقط من الرف زجاجة من الحبوب :
سيأخذ كل منكما حبة من هذه .. ستشعران بالدوار و الغثيان ثم تفقدان الإدراك لثلاث ساعات تقريباً بعدها سيعود كل شيء كما كان ! لقد قلنا أننا سنمسح ذاكرتيكما ، لذا يجب أن تبدوا كذلك فعلاً حتى يصدقوا الأمر و يرتكوكما تذهبان !

هدر جوني قائلاً : ماذا ؟! من تظنين نفسك حتى تملي علينا ما نفعل ! نحن لن نذهب من هنا إلا و أنت معنا !

وافقته فلورا : هذا أكيد ! أنت لم تجيبي عن أسئلتنا حتى ، و تزعمين أننا أصدقاء ؟!

فتنهدت ويندي ثم فكت وثاقهما ، و قالت بنفاذ صبر : اسمعاني جيداً ! يجب أن تعودا إلى بريطانيا فوراً ! أما أنا فسألحق بكما بعد فترة ، فليس من الصواب الظهور هكذا فجأة بعد اختفاء تام و نحن نواجه أعداء لا يؤمن شرهم بأي حال ! إضافة إلى ذلك.. هناك ما يتحتم علي القيام به هنا !

و مرت فترة قصيرة من صمت ثقيل قبل أن يقول جوني حائراً : من تقصدين بالأعداء ؟! و ما هو الشيء الذي يتوجب عليك فعله ؟!

و همست فلورا و قد لاح على وجهها بعض الخوف : هل يمكن .. أن يكون رجال الشرطة متورطين في هذه القضية ؟!! <ثم اقتربت من ويندي ، و وضعت يدها على كتفها برفق و قالت بتوسل : ويندي أخبرينا أرجوك ! ألا تثقين بنا ؟!!


أطرقت ويندي رأسها.. بينما هتف جوني مستدركا أمرا ما : لحظة ! إن كان الشرطة أعداءك.. فهل يمكن أنك ...

لحظتها تبسمت ويندي ابتسامة خفيفة ، و قالت بصوت جلد : نعم ، الأمر تماماً كما خمنت ! أنا الآن أعادي العالم بأسره .. لأقف إلى جانب "ظلي" !!!
إنه ظلي كما تعلم ! و بدونه لن يكون لي وجود !!


حدقا فيها و هما لا يصدقان ما يسمعان.. و همس جوني مشدوها : أنت.. هل تقصدين أنك انضممت إليه ... إلى الكونت دراكولا ؟!!

رفعت ويندي أحد حاجبيها في تفاجؤ ، و سرعان ما قالت بمكر : جوني ! كيف علمت عن الكونت ؟! ألم تطلب مني التوقف عن التحقيق في أمره و الالتفات إلى مستقبلي ؟!!

احمر وجه المعني و كساه الارتباك : الأمر ليس.. ليس كما تظنين أيتها الحمقاء ! لدي صديق من الشرطة و هو من حدثني عنه..

فقالت فلورا بابتسامة خبيثة : لا أدري لم أشعر أنك ذلك الشرطي ؟!

- هذا ليس مهماً الآن ! لا تغيري الموضوع أيتها المزعجة ، و أجيبي عن سؤالي ! هل أصبحت فعلاً في صف العقارب ؟!


فأطلقت ويندي ضحكة قصيرة خافتة.. ثم قالت بابتسامة غامضة :
لقد أخبرتك ! أنا إلى جانب ظلي !! <سكتت لبرهة ثم عادت تقول سارحة النظرات : لقد كنت مخطئة.. مخطئة حين ظننت أني فقدته ، و بدأت ببلاهة رحلة بحث طويلة عنه بينما كان هو على الدوام متواجدا بقربي !! لكن ذلك الظلام الحالك أعمى بصيرتي ، و أوهمني أنه اختفى و أنا قبلت بذلك دون تأكد ! أما الآن و بعد أن خرجت إلى النور .. فقد عدت أبصره مجدداً !!


و تطلعت إلى وجهي صديقيها و بعد لحظات قصيرة من الصمت المطبق صاح جوني و هو لا يكاد يفهم شيئا : ما هذا بحق الله ؟!! تحدثي بوضوح ! لم أفهم أي شيء !

و ما كان منها غير أن تبسمت بحزن ، ثم قالت و دموع عينيها تلمع على ضوء الشموع :
لقد قلت لكما سابقاً في أول مرة بعد رؤيتي له .. أن صوته كان متحشرجا مبحوحا.. فهل تدركان سبب ذلك ؟!! <أمعنا النظر فيها بحيرة و فضول ، فاستطردت و دمعة تسيل على خدها : لأنه .. كان يبكي !! بكى ساعات و ساعات و هو مدفون تحت الأرض .. حتى أوشك نفسه على الانقطاع !!


و تحررت فلورا عندها من رباط الصمت : هل اكتشفت كل ذلك.. فقط من حمالة الهاتف التي أخرجناها من البئر ؟!!

هزت ويندي رأسها ببطء تنفي ذلك : لا.. لقد أكدت شكوكي فقط..

و قال جوني مبهور الأنفاس : إذن.. فشادو كان مرميا في تلك البئر ، و ليس مدفونا في الأرض كما تصورنا في البداية !!

- نعم.. لقد أوحت لي قصة البئر القديمة في قريتنا بهذه الفكرة.. لذا أرسلت إليكما لتبحثا فيها عما يمكن أن يثبت صحة توقعاتي من عدمها !

- إذن.. فأنت تعرفين الآن هوية الكونت ؟!!

جففت ويندي الدموع المتأرجحة على على أطراف جفونها ، و قالت بابتسامة باهتة : أنا لا أعلم شيئا.. لقد وجدت ظلي فقط !!

فقطبت فلورا جبينها و قالت بصوت مرتعد : لماذا تتحدثين.. هكذا ؟!! أنت.. لا يمكن أن تقصدي..

- بلى .. ذاك ما عنيته !! أنا لا أعرف الكونت ، لكني أعرف شادو !!
ذلك أنهما شخصان مختلفان !!!

نظر صديقاها إلى بعضهما و الصدمة قد خطفت صوتيهما.. و حين أفلح جوني في استعادة صوته خرج مرتعشا : لكن.. كيف ذلك ؟!!

و تحدثت فلورا بالنبرة ذاتها : من منهما إذن.. هو الذي قتل الأثرياء الخمسة ؟!!

أجابت ويندي بتأني : الكونت هو من فعل ذلك !!

فصاح جوني و رأسه يكاد ينفجر : كيف هذا ؟!! أليس شادو هو من رأيناه تلك الليلة يهدد بقتلهم ؟!!

- نعم ، كان شادو هو المهدد !! لكن الكونت هو المنفذ !!!


فسألت فلورا و قد تضاربت أفكارها : لكن لماذا ؟!! و كيف علم الكونت بالأمر بهذه السرعة ؟!! هل يعملان معاً ؟!!

و كشرت ويندي بطريقة غريبة و قالت : لا.. كل منهما يعمل لوحده ! و الكونت لم يكن يعلم .. حتى أخبره شخص أحمق دون أن يدري ، و ذلك الشخص … كان أنا !!! <بدرت عنها ضحكة ساخرة و أضافت : ما أعجب القدر ! ذهبنا إليهم لتحذيرهم لكن في الحقيقة نحن < و أنا بالذات > من كان سبب موتهم !!


حينذاك تهالك صديقاها على الأرض.. و قالت فلورا بعينين شاخصتين : مستحيل ! لا أصدق !

و أردف جوني بصدمة لا تقل عنها : لكني لا أفهم .. لم ارتكب الكونت الجرائم التي كان شادو يخطط لارتكابها ؟!!


رفعت ويندي بصرها إلى السقف و تنهدت : لا أدري ! بل إن شادو نفسه لا يدرك السبب يقينا !! لقد صعق تماماً حين سمع بموت الخمسة ، و عرف أن هناك من اقترف الجريمة مكانه !!

انتبهت فلورا لشيء في كلامها فسألت : ويندي ! هل التقيت بشادو ؟!!


أغمضت ويندي عينيها في هدوء و سكون .. لتعود بذاكرتها إلى الليلة التي التقت فيها به :


انطلقت الكلمة على لسانها دون إدراك ، و الدموع تعتصر في عينيها : شادو !!

كان الرجال المسلحون الذين جاؤوا لقتلها ممددون على الأرض بلا حراك ، و قد اختلطت دماؤهم مع بعضها !
و شادو بمسدسيه الذين لم يزل الدخان ينبعث منهما يقف أمامها !

صدمت و ارتعدت في آن واحد حين رأت وجهه الذي أضاءه نور البدر.. لم تر في حياتها كلها وجهاً خالياً من الحياة مثله ! وجه شاحب شفاف و نظرات ميتة .. كان أقرب للأشباح من البشر الأحياء !!

نطق بصوت جليدي مبحوح يخلو من المشاعر : شادو ؟! هل كنت تدعينني بهذا الاسم ؟! إنه غريب .. لكنه يلائمني كثيراً .. فأنا مجرد ظل أسود لإنسان كان موجوداً يوما ما..

و رافقت كلماته قطرات من الدموع شقت طريقها بغزارة عبر وجهها .. لم تعرف لماذا لكن صوته آلمها بشدة !
أمعن النظر فيها يستنكر بكائها ، و قال بهدوء : لماذا البكاء ؟! منذ أول مرة رأيتك فيها و أنت تبكين ! ألا يوجد شيء آخر أكثر فائدة لتفعليه ؟!! < رمى بأحد مسدسيه إليها و قال : أبقي هذا عندك ! قد تضطرين إلى استخدامه في وقت ما !

ظهر عندها ثلاثة رجال ، و أخذوا بسحب الجثث بعيداً ، و أدار شادو ظهره لها ليلحق بهم .. لكنها استوقفته بقولها : انتظر ! < وقفت على قدميها ، و اقتربت خطوتين منه ، ثم قالت و هي تمسح دموعها : أنا .. أريد الذهاب معك !!

اكتسحت الدهشة نظراته المصوبة نحوها و قال : تذهبين معي ؟!!

- نعم ، أريد أن أكون إلى جانبك !!

زاد عجبه أكثر و هو يقول : ما الذي تقولينه ؟!!

و ألحت ويندي في إصرار : أريد أن أكون في صفك ! أريد أن أكون حليفة و صديقة لك !!

فتلاشت عندها كل آمارات الدهشة من وجهه ، و كسا البرود صوته ، و بهتت عيناه أكثر : صديق ؟!! بما أنك اكتشفت هويتي وحقيقة ما حدث معي .. فإنك تعلمين دون شك .. أني قتلت آخر صديق لي !!
أنا شخص سيء ! سيء إلى أبعد الحدود ! و من الحماقة أن تطلبي صداقتي ! فلا تعلمين في أي لحظة قد أزرع رصاصة في رأسك !!


صاحت في وجهه بحنق بالغ : هذا ليس صحيحا … و إلا لماذا أنقذتني ؟!! كنت تمد يد العون لي دائماً و تساعدني ، مع أني قد أشكل خطراً كبيراً على حياتك ! لكنك لم تأبه لذلك و أنقذتني مرارا ! في هذه الليلة ! و قبلها في لندن حين سحبتني قبل أن تدهسني السيارة ، ثم حذرتني من باتون ، و طلبت مني توخي الحذر و عدم الوثوق بأحد !!

ثم أطرقت و أردفت بأسى : و قد كنت محقاً.. بينما كنت أنا ساذجة !
تحدثت مع الكثيرين أحببتهم ، و أعطيتهم ثقتي .. مع أنه كان يجدر بي أن أحذر و آخذ حيطتي إلا أني لم أفعل !
الجميع يكلمونني بود ، و ينظرون إلي بعطف ، و خلف ظهورهم يقبضون بقوة على خناجرهم و ينتظرون اللحظة المناسبة ليغرسوها في ظهري ! وهو .. كان منهم ! الدكتور كروست كان منهم ، أليس كذلك ؟!!

التزم الصمت و لم يحر جوابا فعادت تقول بألم :
كان قلبي ينبؤني بهذا على الدوام ! فهو لم يكن يعاملني كمساعدة أبدا ، و لم يطلعني و لو مرة على خططه أو أفعاله ! بل كان يترك لي الحرية في فعل ما أريد ، كما لو كان ينتظر مني حركة أو قولاً يمكن أن يفيده !!


ظل شادو واقفاً في محله مديراً لها ظهره بسكون.. فتحدثت ويندي وهي تمنع بصعوبة نفسها من البكاء :
أنا لا أستطيع العودة إلى أي مكان ! إنهم يريدون قتلي ، و إن رجعت إلى قريتي فسأجعل حياة أسرتي و أصدقائي في خطر محدق ! و أؤلئك المحققون لم يعد في إمكاني الوثوق بهم ! أنت وحدك من أثق به حقاً !!


فكسر حينها جدار صمته و قال دون أن يلتفت إليها : أنت عجيبة فعلاً !
لا بأس.. إن كنت مصرة على مرافقتي ، فأنا لن أمنعك لكن عليك تحمل العواقب دون تذمر !

ابتسمت ويندي بحبور و مسحت دموعها بكم قميصها : أعدك بأني سأنفذ كل تعليماتك ، و لن أكون مزعجة !


أخرج هاتفه المحمول ، و تحدث أثناء تصفحه سجل الأسماء المدونة فيه :
حسناً في هذه الحالة يجب أن نستبدلك بشخص آخر ! فمن المثير للريبة أن تختفي دون سابق إنذار ! منتحل شخصيات محترف سيتنكر بشكلك ، و يدخل بينهم ، أولاً ليجمع المعلومات عنهم وعن الدكتور كروست بشكل خاص ! و ثانياً ليقوم ببعض الحركات و الأفعال - أمليها عليه أنا - و التي سيكون الهدف منها إقناع المنظمة بعدم وجود أي علاقة بينك و بين العقارب ، حتى يطمئنوا من ناحيتك ، و تتمكنين بعدها من العودة بسلام إلى قريتك ! إذن.. هل توافقين على ذلك ؟!!

أومأت ويندي بثقة : نعم أنا موافقة !




مرت برهة من صمت مثقل بالذهول .. ثم تكلمت فلورا :
أنا لا أكاد أصدق ما يجري ! هل كان شادو من يساعدك كل هذه المدة ؟!!

أومأت ويندي في تأكيد ، فأضاف جوني متسائلا : و ما الذي ستفعلينه ببقائك معه ؟!!

شدت على قبضتها و قالت بعزم : أريد أن أنقذه من الجحيم الذي يحبس نفسه فيه !! لقد توقف الوقت عنده على الثامن من يوليو قبل أربع سنوات ، و روحه للآن لا تزال مدفونة في أعماق البئر المظلمة !!


و في لحظة فراغ ويندي من حديثها استدارت فلورا نحو رانكورت الذي قارب أن يغفو على كرسيه من الملل ، ثم قالت فجأة و هي تغطي فمها بيدها في اندهاش : لا يمكن أن يكون الساحر رانكورت هو شادو !!


و ضحكت ويندي ملء شدقيها ، و قالت ساخرة : هذا مستحيل ! ذلك الدجال لا يمكن أن يكون شادو !!

فحدجها رانكورت بنظرة تقريع حادة ، ثم قال بهدوء يواري غضبه : لا تستخفي بي يا وجه النحس ! صحيح أني لا أستطيع انتزاع الذكريات ، لكن في ميسوري اقتلاع لسانك الطويل هذا و في الحال !!

ضحكت ويندي مجدداً ثم قالت : حسناً أعترف أنك مفيد في بعض الأحيان ! فلولاك ما كنت لأستطيع إنقاذ هذين الإثنين !


بعد ذلك أخرجت حبتين من زجاجة الحبوب في يدها ، و قالت برجاء : و الآن أرجوكما ثقا بي و خذا هاتين الحبتين ! يجب أن نسرع حتى لا يشتبهوا في أمرنا !

قال جوني معترضا : لكننا لا نستطيع ترك وحدك.. هذا خطر جداً !

فحاولت ويندي طمأنته بابتسامة عذبة : لا تقلق علي ! أنا لا أريد أن أموت ! هذه المرة.. سأكون حذرة فعلاً ! وبعد أن ينتهي كل هذا.. سأعود إلى قريتي ثانية ! والآن هيا بسرعة ! فهم ينتظرون منذ مدة !

مد كل منهما يده ، و تناول حبة واحدة ، و قبل أن يسري مفعولها عانقتها فلورا بحنان و قالت برقة : سنكون في انتظارك لا تتأخري !

أما جوني فتحدث بلطف على غير عادته : اعتني بنفسك .. و عودي سالمة !

فتبسمت ويندي بمحبة و تفاؤل : أعدكما بذلك صديقاي ! شكراً لكما !


و بعد خمس دقائق..
بدأت أعراض الحبوب تظهر .. و صار الاثنان يشعران بالدوار ، و يفقدان توازنهما !
فخرجت ويندي -وقد عادت إلى دور روميو الهادئ- وجلبت أؤلئك الرجال الذين قادوا صديقيها إلى السيارة !


و إثر ساعة من الانتظار وصلت إلى ويندي رسالة من أحد جواسيس شادو و كان مفادها :
"الأرنبان بخير وهما الآن نائمان في القفص"

فضحكت ، و عرفت أن صديقيها على ما يرام و هما في هذا الوقت يستريحان في الفندق !


غدا منزل رانكورت فارغاً بعدما غادره رجال المنظمة !
فجلست ويندي في الصالة المشمسة الفسيحة ، و فتحت حقيبتها لتخرج منها صندوقا خشبيا جميلاً ، فتحت غطاءه و أدارت مفتاحه الجانبي ذهبي اللون .. لتصدر منه موسيقى جميلة هادئة تبعث على الراحة و الطمأنينة !
أغمضت عينيها و استرخت بسعادة فوق الأريكة الوثيرة.. كانت هذه الموسيقى تعجبها كثيراً !

غير أنها استمتاعها لم يدم طويلا ، فسرعان ما فتحت عينيها بإنزعاج ، و وجدت رانكورت يقف عند رأسها و يرمقها بنظرة باردة !

قالت ويندي بجفاء : ماذا ؟!

أجاب رانكورت و هو يثني ذراعيه : حسناً.. لا يعقل أن تقيمي في منزل فاخر مثل هذا دون مقابل أليس كذلك ؟! أنت الآن روميو خادمي و مرافقي ! لذا انهضي وأحضري لي كوبا من القهوة و لا تضعي السكر فيها !

ثم جلس بغرور على الأريكة نفسها و وضع ساقه فوق الأخرى ، بينما تأففت ويندي و قامت على مضض..
جلبت له كوبا مليئا بقهوة سوداء مرة ، و حين وضعته على الطاولة أمامه انتبهت إلى أنه يحمل صندوق الموسيقى بين يديه ، فانقضت عليه و انتزعته منه بسرعة خاطفة جعلته يجفل !

قال في استياء كبير : ما بك انقضضتي علي كالوحش ؟!! كنت أشاهده فقط !

و تحدثت ويندي بانزعاج طفل من آخر يلعب بألعابه : إنه شيء ثمين للغاية ! و اللمس ممنوع !

قال رانكورت ببرود : حقا ؟! من أين حصلتي عليه حتى يكون بهذه القيمة ؟!!

لاحت آمارات الأسى على وجهها ، و هي تقول : إنه لشادو !! لقد رأيته موضوعاً على المنضدة في شقته ، و حين أبديت إعجابي به قال بلا اكتراث : "يمكنك أخذه إن أردت ، كنت سأرميه على أية حال.."
لكن لماذا يرمي شيئاً جميلاً مثل هذا ؟!! إنه يعمل جيداً ، و ليس مكسورا و لا مهترءا .. فلماذا يفعل ذلك ؟!!

هز رانكورت كتفيه و قال : و ما المهم في ذلك ؟!! ربما ضجر منه فقط !

فاعترضت ويندي بحدة : لا الأمر ليس هكذا ! أنت لم تسمع صوته و هو يقول ذلك ! كان شيئاً قيما جداً بالنسبة له ، لكنه أراد التخلص منه لينسى ماضيا يتعلق به ! و في الحقيقة لهذا السبب قبلت أخذه ! فأنا أريده أن يستعيد إحساسه بالحياة ، و يستمع مجدداً إلى هذه الموسيقى الجميلة !

تنهد رانكورت : هل حقاً تظنين أن هذا ممكن ؟!! هل تحسبين أن بضع كلمات منك قد تردعه عن هدفه و تعيد إليه ما فقد ؟!! إنه الآن ليس أكثر من حطام إنسان ! يهيم في الأرض كروح تائهة !

قالت ويندي بحزم : أنا لن أستسلم مهما حصل ! ولن أتركه حتى يرجع إنساناً منتعش الروح كما كان في السابق !

- ما تريدينه لا يكون بالضرورة ما يحدث في الواقع ! على كل.. افعلي ما يحلو لك فهذا ليس من شأني !

رمقته بنظراة غاضبة و قالت بنبرة توبيخ : ألا يهمك أمره ؟!!

و تحدث رانكورت بصدق : أكذب إن قلت بلى ! إن العلاقة بيني و بينه لا تعدو أكثر من تبادل مصالح ! كلانا يستغل الآخر ليحقق مراده !

قطبت ويندي جبينها وقالت بفظاظة : وما هو مرادك أنت ؟!!

أجاب رانكورت ببساطة : أن أعيش ! كنت أعمل مع المافيا الإيطالية قبل بضع سنوات مضت ، كما أني تسترت على بعض المجرمين ، لذلك فإن الكونت يعدني عدواً له ، و يضع اسمي في قائمته السوداء ! و لأجل حماية نفسي اختبأت في إحدى القرى الإيطالية النائية ، و غيرت اسمي ، و أجريت عملية جراحية لوجهي.. كل هذا حتى أنجو بحياتي منه ! لكن و لسوء حظي فقد ولدت بنزعة غريبة ، فأنا رغم كل المخاطر لا أطيق أن أبعد نفسي عن مجرى الأحداث ، و أفوت عليها مشاهدة مباشرة للحرب المدمرة التي تحصل الآن ! لهذا السبب عدت إلى فرنسا بجنسية إيطالية متخفيا تحت ستار الفن و الأزياء !
و في إحدى الليالي .. كنت في تلك الغرفة المعتمة أقوم بآخر جلسة تحضير لي كساحر ! إذ واتتني رغبة ملحة في أن أعرف ماذا سيحدث لي و ماذا سيكون مصيري ! <ضحك ساخراً من نفسه و أردف : كم كنت بائساً وقتها ! بقيت جالساً في مكاني أنتظر الإجابة بلا جدوى .. حتى سمعت أخيرا صوتاً ما ! أنصت بكامل انتباهي لأدرك أنه كان صوت خطوات ! بعدها سمعت صوتاً لضحكة رهيبة تقترب تبعتها كلمات مرعبة : "تريد شيطانا ؟! لقد حصلت على واحد !"
و لم أكد أحرك إصبعا حتى أمسكت رأسي قبضة قوية جعلت دمائي تتجمد و جسدي يرتجف !
و عاد صوته يقول : "مثير للشفقة ! تظن أن في مقدورك معرفة ما سيحصل في المستقبل ، و أنت حتى لم تدرك تسللي إلى غرفتك ! إن كنت حقاً تريد النجاة.. فكل ما عليك هو أن تتبعني و تنفذ أوامري !"

قلت له : لكن.. هل تستطيع إنقاذي من الكونت ؟!!
أجابني بثقة و قوة : "نعم ! إن صرت إلى جانبي فلن يمس شعرة منك !"
لذلك قبلت عرضه و أصبحت في صفه ! شعرت بأنه يعني تماماً ما يقول ! و لا أظنني كنت مخطئا في إحساسي ذاك !
فالكونت قد صفح عن حياة أحدهم فورا.. حين طلب شادو ذلك منه !!

اتسعت عيناها في ذهول و قالت : مستحيل ! و.. من هو ذلك الشخص الذي كان الكونت ينوي قتله ؟!!

ابتسم رانكورت و قال : أنت !!

تضاربت أحرف كلماتها من الصدمة حينما قالت : لكن.. لماذا.. يريد قتلي ؟!!

تنهد رانكورت و أرجع رأسه للخلف : لا أعلم تماما .. هذا لغر من كثير من الألغاز التي تحيط بهذا الكونت !!



⭐⭐⭐⭐


في زاوية ما داخل غرفة واسعة مليئة بالحواسيب والشاشات الضخمة.. سحب إنزو كرسيا و جلس فوقه متربعا !
فرقع أصابعه ، و قال و هو يشتعل حماسا : و الآن.. لنبدأ العمل !


بعيداً عنه.. في مبنى ضخم في إحدى ضواحي المدينة الأقل ازدحاما.. كانت كوبرا جالسة في مكتب كبير فاره تنظر بترقب إلى المدينة تحتها عبر الجدار الزجاجي وراء المكتب !

طرق الباب ، ثم ولج إلى الداخل رجلان.. قال أحدهما و هو يضع على مكتبها علبة كحلية اللون :
هذا هو ما أردته سيدتي ! لقد استغرق صنعه وقتا طويلاً لكننا انتهينا منه أخيراً و هو جاهز للعمل في أي وقت تشائين !

التقطت كوبرا العلبة ، و فتحتها لتخرج منها سوارا فضي اللون مصنوع من مادة مطاطية غريبة !
قالت و هي تثبته حول معصمها : جيد ! يمكنكما الذهاب .. لكن قبل ذلك أخبراني.. كيف هو حال فأرنا الصغير ؟! و هل أفصح عن بعض ما يعرف ؟!!

قال الرجل نفسه : لا سيدتي إنه عنيد للغاية ، لم ينبس بحرف واحد !

فتبسمت كوبرا بمكر و قالت : حسناً.. إن آلويس يعرف تماماً كيف يربي كلابه !

و قامت من مقعدها و هي تقول : لنذهب إلى غرفة المراقبة !


خرجت من مكتبها يتبعها الرجلان.. إلى غرفة المراقبة حيث يجلس عدد من الأشخاص أمام شاشات كثيرة ترصد و تنقل كل ما يجري داخل المبنى !
دخلت كوبرا فنهض الجالسون احتراماً ثم عادوا إلى عملهم..
أما هي فظلت تنظر طوال الوقت إلى الشاشة التي يظهر فيها آوتنبورغ مستلقيا بإنهاك على سرير رديء في زنزانة ضيقة بلا نوافذ !


تلك الزنزانة توجد في أسفل طابق للمبنى ، و يحرسها رجلان صلبان قويا البنية !
تحرك أحدهما فجأة و التفت يميناً.. كان هناك رجل برفقة ممرضتين قادم باتجاههما.. و حين دنا من الحارسين أخرج بطاقة هويته ، و أراها لهما و هو يقول بصوت جهوري : أمرت سيدتي كوبرا بمعالجة السجين ، و تقديم الدواء له فقد رأت أن حالته تسوء كثيراً و هي تريده أن يبقى حياً !

استرق أحد الحارسين نظرة إلى داخل الزنزانة من فتحة صغيرة أعلى الباب ، ثم هز رأسه موافقا : نعم إنه يبدو مريضاً..

ثم فتح لهم الباب و تنحى جانباً.. فدخل الرجل أولاً و لحقته الفتاتان بعد ذلك !

أغلق الحارس الباب خلفهما و قال مستنكرا : ممرضتان جميلتان كهاتين للاعتناء بأسير من الأعداء ؟! لا أدري هل هو في سجن أم فندق خمس نجوم ؟!

أومأ الآخر موافقا و أضاف : نعم خصوصا الشقراء منهما ! جميلة و خجولة !

و ضحك الأول ساخراً : لكنها لا تجيد بتاتاً المشي بالكعب العالي ! بدت مضحكة جداً و هي تتمايل في مشيتها كالدجاجة العرجاء !

كانا يتحدثان بأريحية و دون أن يخفضا صوتيهما.. فتمكنت الممرضان داخل الزنزانة من سماع حديثهما كاملا !

لكزت بنية الشعر رفيقتها الشقراء و هي تكاد تختنق من الضحك ، و قالت بنفس متقطع : قلت لك.. أن ترفعي رأسك ، و تجعلي ظهرك مستقيماً و أنت تمشين ! لكنك مع هذا حصلت على معجبك الأول.. تهانينا !

شاركها الرجل الآخر الضحك ، بينما رمقتها الشقراء بنظرة مخيفة تلتهب فيها نيران الغضب و همست من بين أسنانها : سأقتلك إن لم توقفي هذا.. يا وجه الكنغر !!


لم تكترث إلسا لتهديده بل زادت ضحكاتها أكثر و هي تتذكر كيف جعلته يرتدي شعر أشقر مستعار ، و كيف صبغت وجهه بمختلف مساحيق التجميل ، ثم جلست تضحك عليه و هو يتدرب على المشي بالكعب العالي ! كان بلا شك أروع يوم في حياتها و لا يمكن أن تنساه !

رفع آوتنبورغ رأسه من الوسادة و قال مقطب الجبين : يا إلهي ألم يجد سيدي غير القط و الفأر ليرسلهما إلي ؟!! <نهض جالسا ثم التفت إلى الرجل الآخر و أضاف : آه .. لا شك أنك سيباستيان ! على الأقل شخص عاقل قد أتى !


حدق آليكسي إلى الكدمات على وجه آوتنبورغ و قال شامتا : أوه لقد أبرحوك ضرباً أيها السحلية المسكين ! يا ليت لو قطعوا لسانك أيضاً !

ضحكت إلسا و قالت : لأول مرة أتفق معك !


بعد دقائق قليلة .. سمع الحارسان صرخة عالية من داخل الزنزانة ، فأسرعا لفتح الباب ثم نفذا إليها ، و ما إن اقتربا من السرير الذي كان آوتنبورغ ممدا بجواره حتى بوغتا بضربة من الخلف على رأس كل منهما ، و سقطا على الأرض فاقدا الوعي !

قالت إلسا بمرح و هي تنفض يديها : و الآن يجب أن نغادر !

خرج الأربعة من الغرفة بعد أن تنكر آوتنبورغ بزي أحد الحراس .. و بدؤوا يقطعون الممر متجهين إلى الدرج بخطوات سريعة.. ثم فوجئوا بشخص يقف في آخر الممر و يسد طريقهم !!

تبسم و قال : لم العجلة يا أعزائي ؟!!

و كشر آوتنبورغ في تحد و إثارة : مرحباً بالأفعى !

صفقت كوبرا بيديها و قالت بإعجاب ملحوظ : خطة ذكية بالفعل ! لقد تسلل أحد رفاقكم إلى نظامنا و عبث بأجهزة المراقبة بطريقة عبقرية حقاً ! و لم يلحظ أحد شيئاً إطلاقاً ! لكن للأسف.. مهما فعلتم لن تستطيعوا خداعي أنا !

و قالت عندها إلسا مكلمة آليكسي : لا شك أننا كشفنا بسببك ! قلت لك مراراً أن تلبس التنورة !
فتحدث المعني بنظرة قاتلة جعلها تضحك في سرها : كلمة أخرى و أكون أول عقرب يقتل زميلا له !

قال سيباستيان بحماس : أنت الكوبرا إذن !

ضحكت كوبرا بغرور و هي ترفع مسدسها نحوهم : نعم أنا الكوبرا التي ستبتلع كل العقارب !!

و أخرج آليكسي من جيبه ثلاث كرات معدنية صغيرة ، و قال بابتسامة واثقة و في عينيه تلوح نظرات متعطشة للدماء : تلك العقارب الصغيرة ستمزق أحشائك و تحشو سمومها في عروقك أيتها الحية البائسة !

ثم رمى بالكرات عليها ، غير أنها تجنبتها بوثبة رشيقة ، و تبسمت في سخرية.. لكن ابتسامتها سرعان ما تلاشت ! إذ حين لامست الكرات الأرض اندفع منها بغزارة غاز أصفر اللون !!

غطت كوبرا فمها و أنفها بيدها ، و حاولت الفرار من موجة الغاز التي شقت طريقه في الجو و بدأت تنتشر بسرعة كبيرة !

قال سيباستيان : هناك طريق آخر في الجهة المقابلة لنسرع !

و انطلق الأربعة بأقصى سرعة ليعودوا من الطريق الذي جاؤوا منه !
و أسرعت كوبرا خلفهم ، و أطلقت ناحيتهم عدة رصاصات و هي تهتف :
ليس بهذه السرعة !

فاستدار آليكسي نحوها.. ثم التفت لرفاقه قائلا : اسبقوني أنتم و سألحق بكم بعد دقيقتين !
تردد سيباستيان و بدا عليه القلق ثم تنهد و قال : حسناً .. لا تتأخر !


ذهب الثلاثة.. و بقي آليكسي وحده مواجها لكوبرا.. فخلع الشعر المستعار و رماه بعيداً !
ضحكت كوبرا قائلة باستخفاف : تضحي بنفسك من أجلهم ؟!!

ابتسم آليكسي و قال : لا ، لست شهما إلى هذه الدرجة !

- حقاً ؟! ماذا تسمي هذا إذن ؟!!


رفعت مسدسها و صوبته على كتفه .. لم تكن تنو قتله إذ كانت في حاجة لأسير تستخرج منه المعلومات.. و رغم أنه كان أعزل تماما فقد ظل ثابتاً في مكانه و لم تفارقه ابتسامته الواثقة ، بل اتسعت أكثر.. حين سقط مسدس كوبرا من يدها !!

حدقت في يديها مشدوهة.. كانتا ترتعشان بشدة لدرجة أنها فقدت كل سيطرة عليهما !! و ليست يداها فحسب بل ساقاها كذلك !! و أخذت تفقد توازنها شيئا فشيئاً و تترنح حتى هوت إلى الأرض و كأنها غصن شجرة مكسور !!


تحدثت بصعوبة و علامات الدهشة تلوح في عينيها الشاخصتين : ما.. هذا ؟!! ما الذي.. فعلته.. بي ؟!!


اقترب آليكسي بخطوات هادئة و هو يقول : إنه الغاز يا عزيزتي !!

قالت بذهول : كيف ؟!! لم أستنشق منه !!

فابتسم بدهاء شديد : نعم هذا ما توقعت أن تفكري فيه ! فأي إنسان حالما يبصر غازا يتسرب فإنه يسارع إلى تغطية فمه و أنفه ! ولكن غازي هذا مميز جداً ! فمهما فعلت لن تستطيعي حماية نفسك منه ، فهو يدخل من مسامات الجلد و يسبب شللا مؤقتاً في أطراف الجسم ! وبالطبع لن يؤثر علي ، فقد دهنت جسمي بمسحوق كيميائي خاص يغلق المسامات ويمنع اختراق الجلد !


فقالت دون أن تستطيع منع نفسها من الانبهار بقدراته :
لا أصدق أنه من صنعك ! أنت.. لم تبلغ حتى العشرين من عمرك !!

قال آليكسي باعتزاز و هو يقف أمامها مباشرة :
ليس غريباً.. فأنا ملك السموم !!

ثم التقط مسدسها ، و قال و هو يتفحصه بنظراته : هيه ! مع أنني قاتل محترف إلا أنه لم يسبق لي أن حملت هذا الشيء ! إنه لا يروقني لكني مع ذلك <وجه فوهته نحو رأسها و قال بابتسامة شيطانية : لا أمانع استخدامه الآن !!

و لدهشته.. لم ترتعب كوبرا بل تبسمت في ثقة لا متناهية !!


"توقف آليكسي ! لا تفعل !"

جاء هذا الصوت من السماعة المثبتة في أذن آليكسي اليمنى ! كان المتحدث هو إنزو !

سأله آليكسي بحنق طفيف : و لماذا ؟!

- "تلك المرأة.. إنها مجنونة بمعنى الكلمة !! ذاك السوار غريب الشكل حول معصمها.. هو في الحقيقة جهاز تفجير قنابل !!!"

- ماذا ؟!!

- "نعم ، لقد عرفت بالأمر حين اخترقت نظامهم ، و عثرت على ملفات و أبحاث حوله ! هذا السوار يقيس النبض ، وإذا ما قتلتها و توقف نبضها.. سينفجر المبنى بأسره !!!"


حملق آليكسي فيها غير مصدق و قال : أنت أيها الحية المخبولة ! هل زرعت القنابل في كل أرجاء المبنى ؟!!!

أطلقت كوبرا ضحكة خافتة و قالت بنبرة مخيفة : إن كنت سأموت لا محالة ، فأقل ما يمكنني فعله هو جر أعدائي معي إلى الهاوية !!

عاد صوت إنزو ليقول : "آليكسي ! اتركها و إلحق بالباقين فلا وقت لتضيعه !"

- حسناً.. سيكون لنا لقاء آخر أيتها الحية !


ثم خلع الكعب العالي و بدأ الركض حافيا !
تنفس الصعداء و قفز في الهواء في راحة غامرة : ييه ! يا إلهي ! و أخيراً نالت قدماي الحرية ! كاد ينقصم ظهري بسبب الحذاء المريع ! كيف تستطيع تلك المخلوقات العجيبة المشي بشيء كهذا ؟!!


*****

بعد دقائق من ذلك.. عاد النظام يعمل مجدداً بعد أن نجح إنزو ببراعة في اختراقه و العبث به دون شك من رجال المنظمة !
فأدركوا -حين لاحظوا الاختلاف الهائل بين الصور الحالية و ما كانوا يشهادونه- الخدعة التي انطلت عليهم بسهولة ، و هرع رجال كوبرا و معهم بيكارت بأقصى سرعة إلى الطابق الأسفل !


حين وصلوا .. لم يجدوا سوى زعيمتهم التي كانت ممددة على الأرض الباردة !
اقترب بيكارت منها و قال في شيء من السخرية : أوه لا تزالين حية كما يبدو !

و قالت كوبرا بصوت متهالك من التعب : اصمت ! لقد تأخرتم.. كثيراً حتى اكتشفتم.. الأمر أيها الحمقى !

رد بيكارت مبتسما في مرح : اعذرينا من فضلك ! فنحن كما تعلمين لسنا في مستوى ذكائك !

و مد ذراعيه ليرفعها من الأرض.. عندها جاء أحد الرجال يركض و هو يقول : هناك سيارة إسعاف قد غادرت قبل ثوان من أمام المبنى ، و قد أرسلنا خمس سيارات خلفها ! فمن المؤكد أن أؤلئك العقارب فيها !

قال بيكارت بجدية و هو يحمل كوبرا بين ذراعيه : جيد ! استمروا في مطاردتهم حتى تمسكوا بهم جميعاً !

- حاضر !



واصلت السيارات ملاحقتها لسيارة الإسعاف.. حتى بلغوا المشفى ، فتوقفت جميعاً !
و خرج الرجال المسلحون و قاموا بمحاصرة سيارة الإسعاف ، و هم يشهرون أسلحتهم !
تقدم أحدهم و صاح : اخرجوا جميعكم ! أنتم محاصرون !


ففتحت أبواب السيارة ، و خرج منها ثلاثة أشخاص ! رجل بدين في الخمسينيات و كان السائق ، و مسعف عادي المظهر ، و ممرضة دميمة !

أخفض الرجل سلاحه وقال متعجبا : ما هذا ؟!! قالوا أنهم أربعة ، فتاة جميلة و ثلاثة رجال ! <سكت لوهلة ثم سأل أؤلئك الثلاثة بفظاظة : ماذا كنتم تفعلون أمام المبنى ؟!!

فأجاب المسعف الخائف بتلعثم : لقد.. لقد تلقينا اتصالا بأن هناك مريضاً في حال حرجة هناك يا سيدي ! لكن حالما وصلنا إلى المكان اتصل الشخص نفسه و اتهمنا بالتأخير ! ثم قال أنهم تدبروا الأمر ، و نقلوا المريض إلى المشفى بإحدى سياراتهم !

صاح الرجل مذهولا : ماذا ؟!! إذن فأؤلئك الشياطين.. كانوا لا يزالون في المبنى !! اللعنة ! لقد خدوعنا !!



في هذا الوقت كان العقارب الأربعة قد غادروا المبنى فعلاً !

و هم في السيارة التفت آليكسي لينظر إلى ذلك المبنى للمرة الأخيرة ، و أخرج لسانه ساخراً و قال : أغبياء و ستبقون كذلك إلى الأبد !

قال آوتنبورغ متنهدا : نعم إنهم أغبياء ، لكن تلك الحية ليست كذلك على الإطلاق !

و قال السائق : ربما تكون ذكية فعلاً ، لكنها لن تصل مهما حدث لمستوى الكونت !

أيده آوتنبورغ لكن دون اقتناع كامل : بالطبع .. لا شك في ذلك.. <أضاف و هو يلتفت نحو السائق : بالمناسبة متى وصلت إلى باريس.. يا إيريك ؟!!

أجاب إيريك بهدوء دون أن يحول بصره عن عجلة القيادة : صباح اليوم ! فغداً كما تعرف سيكون لدينا اجتماع هام !

أردف سيباستيان مؤكدا : أهم اجتماع على الإطلاق ! حيث سيلم شمل كل العقارب لأول مرة !!











رد مع اقتباس