عيون العرب - ملتقى العالم العربي - عرض مشاركة واحدة - إيقاع مَاسي || انعكاس | فوضى هجينة
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-08-2017, 07:37 PM   #69
Snow.

مشرفة تقارير الأنمي

الحاله: Valar Morghulis.... Valar Dohaeris
 
الصورة الرمزية Snow.
 
تاريخ التسجيل: Jul 2015
العضوية : 898306
مكان الإقامة: الجزائر
المشاركات: 117,549
الجنس: أنثى
مرات الإعجاب: تلقى 13733 مرات الإعجاب التي تلقاها
أعطى 11596 مرات الإعجاب التي أعطاها

مشاهدة أوسمتي

نقاط التقييم: 2147483647
Snow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond reputeSnow. has a reputation beyond repute
الأصدقاء:(103)
أضف Snow. كصديق؟















الفصل السادس:بوح | انجلاء التعتيم




هطل الودق بغزارة كدموع غسلت لوحة السماء فتشبعت الأرض بمياهه ، رمل الأربعة بخيولهم في سرعة و قد تبللت كامل أجسامهم ، رفعت مارينيا رأسها للسماء التي اكتست بلون الرماد و أغمضت عينيها السماوتين إثر رذاذ المطر الذي ارتطم بوجهها ، شعرت بالتصاق ملابسها بجسدها اثر الإبتلال و رفعت غرتها التي التصقت بجبهتها ، صرخت في وودي الذي تقدمها بضع إنشات


ـ ألا نكاد نصل وودي ؟


رفع الكهرماني ناظريه عن الأرض الترابية التي امتلأت ببقع مائية حولتها إلى أوحال و نظر نحو الأمام ثم قال : نكاد نصل مارينيا ، عليك بالصبر قليلا


تنهدت بقلة حيلة فربت داسيار على كتفها من خلفها مخففا ، هتف أوبرجين في أريحية : أرى بعض المنازل قريبا


ابتسمت مارينيا لقول أوبرجين و زاد جميعهم من سرعة الجياد حتى وصلوا إلى المكان المرجو


[ وادي المرميد ]


امتد على مرمى البصر وادي بدى ضعيف المجرى في حالته العادية لم ترى مارينيا لا بدايته و لا نهايته و لاحظت ارتفاع مجراه بسبب المياه المطرية ، في ضفته الأبعد بدت أشجار الغابة شامخة و كثيفة بينما الضفة الأقرب ربضت فيها حوالي عشرة منازل جزمت ان جميعها صنع من خشب الصنوبر إذ أن الغابة المقابلة أناخ فيها هذا النوع بكثرة ، تقدم جميعهم في بطئ تحت المطر الذي لم تقل غزارته قط !


ـ هل أنتم غرباء ؟


لفت انتباههم صوت لفتاة بدت صغيرة من نبرتها ، مال وودي بجذعه عن الحصان يمينا ففوجئ بفتاة صغيرة بدت له في أينع سنيها إذ جزم من جرمها أنها في العاشرة أو أقل ، وقفت الفتاة في حزم و قد غطت عباءة سوداء كامل جسدها فلم يظهر إلا وجهها الغض و قد تكلل جماله بعينيها العقيقيتين


ـ سألتكم هل أنتم غرباء ؟


هتفت بهم و قد علا صوتها هذه المرة و عقب ذلك صدوح البرق يتلوه الرعد في السماء المتلبدة ، نزل وودي عن حصانه و تبعه أوبرجين ، سألها بلطف :من أنت أيتها الصغيرة ؟


أجابت : لابد أنكم غرباء حقا ، أنا أعيش في ذلك المنزل مع اختي ، يمكنكم المجيء إلى هناك فلا تبدون مستمتعين بالوقوف تحت المطر


كاد وودي أن يجيبها لكن مارينيا نزلت عن فرسها لتقول و قد أمسكت يدي الطفلة : حقا ؟ شكرا لك أيتها الصغيرة ، نحن شاكرون لك صنيعك


تلاها داسيار في النزول ثم تقدم نحو الطفلة و سألها : ما اسمك أيتها الطفلة ؟


ـ ويندي


أجابته باختصار و استدارت متقدمة إلى الأمام ، تبعها الآخرون قائدين جيادهم خلفهم ، توجهت بهم نحو ثالث منزل و لم يكن مختلفا إذ أن جميع المنازل متشابهة ، ربط وودي حصانه في عمود استقام أمام المنزل جزم أنه صنع من أجل ربط الأحصنة و تبعه أوبرجين بينما تولى داسيار أمر فرس مارينيا


ارتقت ويندي الدرج القصير و تبعها الآخرون و قد خلفوا بقعا من المياه نتيجة بللهم ، دفعت الصغيرة باب المنزل و دلفت و دعتهم لفعل ذلك بنظرة للخلف


ـ آريا ، لقد عدت !


تكلمت ويندي ثم نزعت عباءتها ليظهر رأسها ذو الشعر الرصاصي ، أردفت : و لدينا ضيوف أيضا


صدحت خطوات مقتربة لتظهر بعدها شابة عشرينية ملكت نفس عيون ويندي إلا أن شعرها بدى أكثر دكونة أقرب للرماد و لاحظ جميعهم أنها تحمل منشفة في يديها


ابتسمت ثم قالت بتردد :أعتقد أننا نحتاج أكثر من منشفة


خطفت ويندي المنشفة من يديها و جففت بها وجهها ثم قالت بهدوء :لقد أخبرتك بأن لدينا ضيوفا


سألتها آريا : هل أنت من أحضرهم ؟


أجابتها شقيقتها : أجل ، إنهم غرباءعن المكان ، لقد بدوا أقرب إلى متشردين


ضربت آريا رأس أختها و وجهت نظرات معتذرة ناحية ضيوفها ثم قالت و نبرة اعتذار طغت على صوتها : اعذروا وقاحة ويندي ، انها لا تزال صغيرة


ابتسم أوبرجين و قال : لا داعي للإعتذار ، لقد أنقذتنا هذه الصغيرة


أعقبت مارينيا :أجل بالفعل ، لو لم نلتقها لكنا نزال بالخارج و لا مكان لنا نتقي به المطر


استطردت آريا : من سوء حظكم ، لقد كانت الأجواء رائعة قبل أيام لكن هذا الغيث فجأة …


قطعت كلامها لتغادر الغرفة ، عادت بعد هنيهة حاملة أربع مناشف ، قدمت لكل منهم واحدة


ـ رجاءا جففوا أنفسكم و تعالوا إلى المطبخ ، انه أكثر دفئا من هنا ، بالمناسبة أنا آريا ستون و هذه هي ويندي ستون !


ابتسمت مارينيا و قالت : مارينيا لانكستر


تكلم داسيار على أعقابها :بريدوود داسيار


صافحها أوبرجين و قال :براوني أوبرجين


بينما خفض وودي رأسه قليلا في انحناءة و قال : وودي ميلر


جفف الأربعة أنفسهم بينما استدارت آريا مغادرة نحو المطبخ بعد أن استئذنتهم ، تقدمت مارينيا و قالت :هل يمكنني المساعدة ؟


ابتسمت لها آريا بدفء و أجابتها : سيسعدني ذلك !


بادلتها مارينيا الابتسامة و رافقت آريا متجاهلة وودي الذي ابتسم بسخرية ثم قال بنوع من الاستهزاء :و هل تجيدين الطبخ مارينيا ؟


لكزه أوبرجين و كلمه معاتبا :توقف عن ازعاجها


قهقه داسيار ثم قال : أتسائل إن كنت تستمتع بإغاضتها ؟


لوح وودي بيديه في الهواء بدرامية ثم قال باستمتاع : انها متعة مطلقة


في المطبخ أخذت مارينيا تحضر السلطة بينما اهتمت آريا بتحريك الحساء في القدر على النار ولم تنتبه كلاهما لدخول الفتيان الثلاثة الذين راقبوهما بصمت


ـ آنسة مارينيا ، تعالي و تذوقي الحساء ، أعتقد أنه نضج


وضعت مارينيا ما كان بين يديها و قد أكملت تحضير السلطة ثم نقلتها إلى فوق الطاولة الخشبية التي توسطت المطبخ لتتوجه بعدها نحو الموقد أين أخذت ملعقة من يد آريا لتتذوق الحساء ، التمعت عيناها ثم قالت باندهاش : واااه آريا ، أنت طباخة ماهرة ، انه جد لذيذ


تخضب وجه آريا بلون بامبي ثم قالت بهدوء :شكرا لك


استدارت نحو أختها التي ولجت للتو و كلمتها : ويندي ، جهزي الطاولة


تحركت ويندي و جهزت طقم الطعام و تحلق البقية حول الطاولة ما إن وضعت آريا الأكل ، تناول جميعهم الطعام في هدوء و قد حوطهم شبح الصمت ، طفت نظرة استحسان على محيا وودي بينما ابتسمت مارينيا ببلاهة و هي تلتهم الطعام بسعادة ، أوبرجين بدى شاردا و لم يبدي داسيار أي ملمح ، تنحنحت آريا كاسرة الصمت حتى ينتبه لها الجميع و هذا ما حدث فعلا ، قالت و ابتسامة هادئة لم تفارق ثغرها : إذن … ما الذي أحضركم ؟ لا شك أن لديكم عملا مهما حتى تأتوا إلى هذه البلدة


أكملت عنها ويندي بعد صمتها الطويل :أجل فوادي المرميد منطقة لا يقصدها الكثيرون


نظرت مارينيا في قلق إلى وودي الذي وضع ملعقته ، نظر بجدية إلى المتكلمتين ثم قال : ليس و كأننا نخفي هذا الأمر ، كل ما في الأمر أن توقفنا هنا كان سببه الأمطار و الحصول على خرائط أيضا و مقصدنا الفعلي هو الغابة المظلمة


أردفت ويندي متسائلة :الغابة المظلمة ؟


تلتها آريا التي هتفت في تعجب :و ما الذي ستفعلونه في غابة كتلك ؟


ابتسم لهما وودي و أجاب : نحن نقصد جبلها المقدس تحديدا


هزت آريا رأسها في تفهم و تمتمت قائلة : الكاهنة إذن …


سألت مارينيا بعدها : ألا تعلمان أين نجد خرائط ؟


سخرت منها ويندي إذ قالت : و هل تذهبون في رحلة إلى الغابة المظلمة دون خرائط ؟ يا لكم من حمقى


تشنجت ملامح مارينيا و لكن ويندي استطردت :أنتم في المكان المناسب ، آريا تبيع الخرائط في ملحق خشبي خلف المنزل


اندهشت مارينيا و وجهت أنظارها إلى آريا : هل هذا صحيح ؟


ـ أجل ، بالفعل


أجابتها آريا مبتسمة ثم أعقبت :سأعطيكم إياها صباحا فالأمطار لا تزال تهطل الآن


صمت جميعهم قليلا ثم تكلم داسيار : هل تعلمون كيف تبدو هذه الغابة المظلمة ؟


هزت آريا رأسها نفيا و أجابت : لا أحد يجرء على الدخول ، إنها الغابة المظلمة بعد كل شيء


ـ في بدايتها يكون كل شيء مظلما و هذا بسبب أشجار الصنوبر العالية و الكثيفة و التي تحجب السماء و عند المرور من تلك المنطقة فستبدأ برؤية السماء و يكون ذلك عند بداية صعودك طريق الجبل


نظرت آريا في صدمة لأختها الصغرى و كذلك فعل البقية ، صرخت بها : من أين لك أن تعرفي هذا ؟


تكلمت ويندي في امتعاض :لا تصرخي ! رازيل أخبرتني


ـ و من رازيل هذه أيضا ؟


ـ انها تعيش في الغابة و تأتي لشراء بعض الأشياء


أنبتها آريا : ألن تكفي عن اختلاق الأكاذيب ويندي ستون ؟


ـ أنا لا أكذب


صرخت ويندي في سخط فقالت آريا بهدوء : لا تكوني وقحة معي ، ثم إن الغابة لا يعيش فيها إلا الكاهنة شارون التي لم نرها قط من قبل و لا نعلم إن كانت حقيقة أم لا


وقفت ويندي و قد احمرت وجنتاها غضبا و ضربت الطاولة بيديها : لكنها بالفعل تعيش هناك


ناظرت جميعهم باتهام ثم غادرت الغرفة ساخطة


*~.


تنهدت الكحلية للمرة الألف فقطب رفيقها حاجبيه ، تكلمت و هي تنخفض إلى رأس الحصان لتربت عليه : متى نصل أيها الدايرون ؟


ـ ريينس ! أتعلمين أنها مرتك الألف في التذمر ؟


صرخت به المعنية في سخط : و ما الذي يزعجك أنت ؟


ـ تذمرك الدائم مثلا ؟


أجابها دايرون ساخرا فعبست هي ثم تمتمت لنفسها :هذا العقاب أسوء من تلك المرة التي طاردت فيها قطة الأمير أورورازيس


ـ لا يزال أمامنا مسير ساعة و نصل


تكلم دايرون فقالت هي : على أي حال من هذا الذي سنراقبه ؟


أجابها دايرون بنبرة غامضة :شخص مهم جدا للمملكة


تنهدت ريينس في قلة حيلة ثم صمتت فلا يبدو أن رفيقها سيفصح لها عن شيء إن لم تره هي بأم عينيها


*~.


سار سيزار بين عسكره و قد اعتلى حصانه الأدجني و سايره الجنود الراجلون بوتيرة رتيبة ، كان جوا موترا إذ لم يسمع إلا صليل الدروع و ضرب الرماح مع الأرض مما يخلق صدى تقشعر له الأبدان و نقعا ، كانت الدورية اليوم من نصيب العاصمة و رغم الجو المكفهر إلا أن هذا لم يمنع الناس من الخروج لرؤية ملكهم فعلى مدار سير سيزار وقف الحشود على خطين متوازيين يتطلعون ببهجة إلى الملك الشاب الذي حمل لهم غدا جديدا ، بينما هو بدى شارد الذهن و هذا ما لم يكن معهودا منه ، بدى و كأن كل شيء معتم أمامه و ذكرى كلام ساتيلا تتردد في رأسه "لقد حان الوقت ، عليك تحريك البيادق و إلا فإن لعبة الشطرنج هذه لن يكون فيها ملك ميت … بل أسوء من ذلك بكثير " ، لقد بدت له ساتيلا جادة بالفعل و لم يكن مجرد تذكير له كالسابق ، لقد كان تحذيرا


ـ علي أن أوجه الأوامر عن قريب لأولئك الاثنان حتما !


تمتم مع نفسه ثم زاد من سرعته فهو يريد الانتهاء من الدورية بسرعة و العودة للقصر ليرتب أوراقه


*~.


ـ استيقظ يا قطعة الرخويات !


صرخت الصهباء في أذن الأدجني باستمتاع ، فتح هو عينيه بفزع و ما إن رأى ابتسامتها حتى شعر بالدماء تغلي في عروقه ، لو لم يكن لها فضل عليه لكان سيغمن قد انقض على عنقها و نكل بها ففيوليت لا تسمح بتاتا بأن تكون لطيفا معها ، سألها و هو يصك على أسنانه بعصبية :ما تريدينه يا هذه ؟


صفرت فيوليت ثم أجابته بسخرية :و أصبحت تستطيع تركيب الحروف في كلمات أيها السيغمن ، طفل جيد


اقتربت منه لتربت على رأسه لكنه أبعدها بغيض ، قالت بعدها بضجر :استعد ، سنذهب للبلدة أيها الأحمق العصبي


غادرت بهدوء و كأنها لم تفعل شيئا و هي التي كانت فتيل النار الذي فجر برميل المتفجرات ، إذ أن سيغمن سرعانما ضرب الجدار بقبضته في سخط ، تنهد بامتعاض و لم تفارقه ملامحه المكفهرة ثم غادر غرفته ، لم يجد رفيقته في المنزل و علم أنها تنتظره خارجا ، وقف أمام الباب ثم سأل :ألا أحصل على طعام إفطار ؟


تجاهلته و سارت ليتنهد هو و يلحقها بقلة حيلة


* تحت نفس السماء *


سألت ريينس مجددا :إذن دايرون من سنراقب ؟ ألا تخبرني الآن ؟


تنهد دايرون و قال :استسلمي فحسب ريينس ، أنت ثرثارة و ذات فم كبير و لن يخاطر أحد بإخبارك بأحد أسرار المملكة ، لذا لا تتوقعي أن أخبرك عن هوية هذا الشخص


سخطت ريينس و قالت : إذن كيف سأساعدك في المراقبة بحق الله ؟


ـ من قال ذلك ؟


تكلم دايرون باستفزاز ثم أردف باستمتاع : عقابك كان أن ترافقيني و بما أنه عقاب ستبقين على جهلك هذا و لن أنيرك بأي معلومة


ـ هيا فحسب بحق السماء ، لا تكن لئيما دايرون


صمتت قليلا ثم حملت منظارها لتسأل مجددا :تلك بلدة ديزيريوس أليس كذلك ؟ أهي وجهتنا ؟


ابتسم دايرون و قال : تقريبا …


زاد من سرعته و واكبته ريينس و في غضون دقائق كانا داخل البلدة ، بدت ريينس مشدوهة من منظر البلدة إذ أنها مختلفة تمام الاختلاف عن العاصمة سورداريا إذ على مرمى البصر انتشرت منازل من الطوب و بدى و كأن البلدة تستضيف مهرجانا ما إذ امتدت سراديق كثيرة و شقت جموع الناس عربات متنقلة عديدة


ـ هل هناك مهرجان ما هنا ؟


سألت دايرون الذي التزم الصمت مما جعلها تتعجب ، استدارت ريينس ناحيته لتجد الصدمة قد شلت ملامحه ، حركته بهدوء فبدى كأنه استفاق من حلم فضيع


ـ هل أنت بخير ؟


ـ أجل ، لا تقلقي


بدت كلماته مطمئنة إلا أنه لم يسع ريينس إلا القلق أكثر ، تقدم هو بين الحشود و تبعته هي ، قال مكلما اياها :فالنحصل على بعض الطعام ، أراهن أنك جائعة جدا ، فالنغتنم فرصة هذا المهرجان


ـ إذن هو مهرجان بالفعل


تمتمت ريينس ثم قالت : هل سنأكل من يد هؤلاء البشر ؟


بدى على وجهها ملامح الازدراء ، ابتسم دايرون بسخرية و قال بلهجة لاذعة :و ما أنت ؟ ملاك ؟


تكلمت هي بعنجهية :ألا ترى ذلك ؟


قهقه ليقول :أراك أقرب إلى جاموس


ـ هل يمكنني قتلك ؟


سألته بهدوء مميت فأجابها : إن كنت تستطيعين فتفضلي


شدت ريينس على قبضتها و بدت و كأنها ستلكمه إلا أنها في خضم غضبها لم تنتبه فاصطدمت بشيء صلب ألم أنفها بشكل فضيع مما جعلها تضغط عليه بقوة محاولة تخفيف الألم


ـ هل أنت بخير يا آنسة؟


بدى الصوت قلق عندما وصل إلى مسامع ريينس و فكرت أن هذا الشخص عملاق صخري و هي التي ظنت أنها اصطدمت بعمود ما ، رفعت نظراتها لتتقابل حدقتيها العشبيتين بخاصتيه العقيقيتين ، كادت أن تجيبه لكن نظرته بعثرت كلماتها و شلت لسانها


ـ هل أنت بخير ؟


أعاد سؤاله مجددا و ابتلعت هي ريقها لتجيبه لكن دايرون قاطعها : ما الأمر ريينس ؟


أجابته : لا ، لا شيء ، الأمر …


انحنى الآخر بأسف إلى دايرون و قال : أعتذر ، لقد اصطدمت بها عن طريق الخطأ


عاد ليستدير ناحية ريينس و قال :أرجو أن أنفك بخير آنسة ريينس


ابتسمت له ببلاهة ثم قالت :لا عليك سيد … ؟


أجابها هو :سيغمن أورليان


صافحته قائلة :تشرفت بلقائك ، ريينس لوميرا


تعلقت نظراتها به بولع بينما أخذ دايرون يكتم ضحكاته المخنوقة و لم يملك سيغمن إلا أن يبتسم بلطف دون أن يعلم ما يثيره هذا من عاصفة هوجاء في قلب الصغيرة ريينس


ـ سيغمن أورليان ، أيها الأحمق ، أتغازل الفتيات و أنا أبحث عنك ؟ يا للجحيم !


أجفل هو لصراخها بينما اقتربت منه هي و أمسكت أذنه ساحبة إياه ، أبعدها بانزعاج و قال : لما أنت عنيفة دائما فيوليت ؟


ـ لأنك لا تستحق أن أكون لطيفة معك


نظرت ريينس نحو سيغمن متسائلة بينما هدأت ضحكات دايرون و نظر نحو فيوليت بحذر و تدقيق


ـ من هؤلاء ؟


سألت فيوليت بكبر فأجابها دايرون :ريينس لوميرا و دايرون زيبرا


رفع يده تجاهها مصافحا و ظلت معلقة للحظات إلى غاية أن استلمتها فيوليت و قالت :لم أركما قط هنا من قبل


كاد دايرون يجيب لكن سيغمن قال باستهزاء : ذلك لأنك تقطنين منعزلة أيتها الحمقاء


حدجته فيوليت بنظرة منزعجة ثم قالت :فالنعد على أي حال أيها الغبي ، لا يبدو أن أحدا يعلم شيئا عن ما نبحث عنه حتى الوافدون مع المهرجان


أومئ لها سيغمن ثم انحنى برأسه قليلا للواقفين أمامه ليتبعها مغادرا ، نظر دايرون ناحيتهما بشرود بينما تعلقت ريينس بذراعه و أرخت رأسها على كتفه و قد غزت حالمية عجيبة نظراتها


قالت بتأمل :أريد الزواج به دايرون


حدق بها دايرون في تقزز ثم أبعدها عنه و قال : هل أصبتي بشيء على رأسك؟ لقد التقيته الآن فقط أيتها الحمقاء


صمت قليلا ثم قال بغموض :ثم إن له فتاته …


*~.


ـ شكرا لك على كل شيء آنسة ستون


تكلم وودي ممسكا الخرائط بين يديه ، وجهت آريا نظراتها ناحية مارينيا و قالت : هل أنتم متأكدون من الذهاب إلى فعلا ؟ لا زال بإمكانكم تغيير رأيكم


ابتسمت لها مارينيا بلطف ممسكة يدها بين راحتيها : شكرا لك آريا ، لقد تأخرنا بالفعل بسبب المطر و يجب علينا الذهاب


ـ لكن ، لا أحد …


لم تكمل كلامها إذ قال أوبرجين:أختك تعرف شخصا هناك


رفع داسيار ناظريه إلى المنزل و لمح ويندي المكفهرة تطل من النافذة و ما إن لاحظت نظراته الودودة حتى أسدلت الستائر ، تكلم هو إلى آريا:يجب عليك الوثوق بكلامها ، لا أعتقد أنها تكذب ، لابد أنه بالفعل هناك من يقطن الغابة إلى جانب شارون


تنهدت آريا بقلة حيلة و ابتسمت له فبادلها هو الابتسام بلطف ، ودعها الأربعة و ركبوا الأحصنة ، ناظرت مارينيا الأرض التي بدأت تجف و إن كانت هناك بضع بقع لا تزال رطبة ثم أكمحت رأسها إلى الغابة التي أصبحوا أمامها الآن و قد أثقلت أوراق أشجار الصنوبر بقطرات الندى


ـ غابة مظلمة و رطبة ، سيكون هذا سيئا


تمتمت مارينيا لنفسها و سمعها داسيار الذي خلفها فقال مطمئنا : لا تقلقي ، سنتجاوز ذلك بطريقة ما


تكلم وودي بصوت جهوري و قال : هل أنتم مستعدون ؟


ابتسم أوبرجين و قال : ننتظر إشارتك فحسب


بادله وودي الابتسام و تقدم بحصانه لتحتضنه أشجار الصنوبر و يبتلعه ديجورها ، تبعه أوبرجين بثقة و جدية ، ابتلعت مارينيا ريقها ثم تقدمت هي الأخرى يرافقها داسيار الذي أخذت تستمد منه الشجاعة ، ما إن ولج أربعتهم حتى أرست العتمة طغيانها على المكان ، قضى جميعهم بضع لحظات حتى يتعودوا على الظلام الداكن ، استطاعت مارينيا أن تميز أشجار الصنوبر التي ارتفعت شاهقة لتنحني في الأعلى فتشكل كل شجرتين قوسا مما جعل الأمر يبدو و كأنه سقف بنته الطبيعة ، لم تكن هناك ذرة نور


ـ علينا التقدم


قال وودي بصوت شبه هامس و كأنه يخشى أن يدنس قدسية هذا الظلام الصامت ، تقدم بحصانه و كذلك فعل الآخرون
بدى صمتا أزرق مخيفا لمارينيا هذا الذي اعتلى الغابة ، لم تستطع سماع أي شيء و غاب عنها صوت خرير الماء و كان أنيسها الوحيد هو قطرات الندى التي تسقط من حين لآخر أو فحيح الأشجار اثر نسيم مفاجئ ، شدت على لجام فرسها بيدين مرتعشتين و كأنها تستمد من ذلك القوة ، أجفلت للمسة يد داسيار على كتفها و الذي سأل بقلق : هل أنت بخير مارينيا ؟


استدارت له بما تسمح لها طريقة ركوبها ليلتقي بؤبؤيها السماويين بخاصتيه اللازورديتان ، قالت بتوتر و ابتسامة متصلبة : أجل …


خفف أوبرجين من سرعته و قال :حاولي الإسراع أكثر مارينيا من أجل أن نغادر هذا المكان ، حسب الخريطة التي فحصها وودي قبل دخولنا فإنه لا يزال أمامنا ميل لسيره


أومئت له مارينيا بينما اقترب وودي ناحيتها و صفع ظهرها ليقول : أين حماسك المتقد مارينيا ؟


ابتسمت لهما باطمئنان ثم سحبت نفسا عميقا لتقول باتقاد : هيا ، ميل ليس بالشيء الكثير أليس كذلك ؟ ما رأيكما أيها السيدان بسباق إلى النهاية ؟


كشر وودي عن ابتسامة عريضة و اتقد التحدي في عيني أوبرجين الأرجوانيتين ليطلقوا العنان لخيولهم في سباق نحو النور


*~.


كت ليدنسي على السجادة الحمراء بثوبها النبيذي ذو الذيل الطويل و قد عقفت شعرها المتناقض بقطعة لؤلؤ مكنون ، مشت في إنافة و توقفت أمام الباب الكبير الخشبي فتقدم الحارس من يساره و دفع الباب ليحدث صريرا حادا ثم يفتح على مصراعيه


ـ ذات السمو الأميرة ليدنسي تصل


صرح الحارس بصوت جهوري ثم تقهقر إلى الخلف بعد أن أومئ سيزار الذي اعتلى العرش الأرجواني و الذي بطن مجلسه بقماش حريري أحمر بينما مسنده الظهري غزته تشققات حمراء كحمم بركانية مستعرة و ازدان مقبضيه بلون مذهب و أُسُودٍ زادتهما هيبة و لم تخلو ركائزه أيضا من لون الذهب ! راقبت ريينس السجادة الحمراء التي امتدت من اسفل العرش لتنزل الدرجات الثلاث البنفسجية و تمر على طول الغرفة ثم تحت قدميها لتكمل مشوارها في الرواق خلفها


حدقت ليدنسي بأخيها الأصغر و قد وضع قدمه اليمنى على مثيلتها اليسرى بينما ارخى رأسه على قبضته اليسرى و قد كان استند بمرفقه على الكرسي ، نقلت نظراتها إلى يده اليمنى التي أمسكت سيفه و الذي أخذ يحركه بشكل عشوائي دون أن يلوي على شيء


أمسكت الأميرة فستانها بأناملها و انحنت بجذعها انحناءة خفيفة بينما نظر الناري ناحيتها نظرات فارغة لا تلوي على شيء


ـ ما مبتغاك من الحضور يا أميرة ؟ أما آن أن تفصحي عن ما يختبئ في صدرك ؟


تكلم أحمر العينين بهدوء ثابت مما جعل الأميرة تتلعثم و تفقد قدرتها على لملمة الحروف ، ومض بريق سخرية في عيني الملك المعظم و كشر عن ابتسامة استهزاء عندما قال :إن كنت تطالبينني بالسمر معك فلابد أنك الأدرى بأنني لست بمقام لمجالسة الأطفال


شعرت ليدنسي بحرقة لاذعة عندما اخترقت كلماته مسمعها فأن يسخر منها هذا الصعلوك الأرعن ، هذا ما لم تتوقعه أبدا !


عصرت قبضتها بقوة ثم فتحتها و كأنها تنفس عن غضبها ، تكلمت بهدوء نقيض ما اختلج في صدرها : جلالتك ، لا تنسى أني مفضلة الملك السابق ، لا أعتقد أنه سيكون سعيدا برؤية معاملتك لي


ـ و لكن يا أختي العزيزة أين أبي منك الآن؟


ـ على كل ، كفانا حديثا مبتذلا فما كان هذا مبتغاي قط و لن يكون


ابتسم بوقار و قال :آذن لك بالكلام ، فبوحي بما تستترين عنه


تكلمت بمكر :التلاعب بالأقدار محرم يا أخي الأصغر العزيز ، و الموت لسابقك ليس مؤكدا !
الأميرة المتمردة لا تزال ضائعة في غياهب النسيان ، فهل أنت متأكد من أن قبضتك الصغيرة تستطيع الإحكام بزمام الأمور ؟
تنهد بضجر فقد سئم بالفعل كلامها هذا الذي تكرر على مسمعه منذ اكتشفت خطته ، قال بدون اهتمام : هل هذا كل ما لديك لاستعراضه اليوم ؟


ضحكت بخفة و قالت بغنج :أردت تحذيرك فحسب أيها العزيز سيزار


ألقت عليه نظرة خاطفة تحمل بين طياتها الكثير و كانت الأدرى بأنه سيفهمها ثم غادرت بخطوات صامتة كشبح أتى ثم ولى ، قبض هو على مقبض العرش بقوة ، إن كلام أورورازيس عن خطر إخطار ليدنسي بالخطة كان صحيحا و كانت خطوة منه في منتهى الحمق


*~.


ارتقى كلاهما فرع شجرة واحدة قريبة من ذلك الكوخ الخشبي و راقبا معا الاثنين الآخرين يتوجهان نحوه ، قالت ريينس هامسة بحماس : لا أصدق أنك قبلت أن نتبعه و نراقبه دايرون ، أنت الفارس الأفضل


لم يجبها دايرون و لم يكلف نفسه تصحيح اعتقادها ، فحتما هو كان بعيدا عن تحقيق رغبتها ، بعد السماء عن الأرض و انما فعل ذلك لغاية في نفسه !


أبعد ببضع أمتار استدارت فيوليت للخلف في شك ، لاحظ سيغمن توقفها فسأل : هل من أمر ؟


ابتسمت فيوليت بهدوء و أجابت :لا شيء البتة !


*~.


نزلت مارينيا من فرسها و قد تهجدت أنفاسها في لهاث مستمر ، انحنت واضعة كفي يديها على ركبتيها ثم مسحت العرق عن جبينها ، ربت أوبرجين على كتفها بينما يده الأخرى استرسلت في مسح ذقنه بظاهرها ، ابتلع ريقا ثم قال بعد أن سحب نفسا عميقا :كان سباقا جيدا مارينيا ، أحسنت


ابتسمت له ثم قالت بخجل :رغم أن كلاكما أنت و وودي سبقني بالفعل و أنا التي كنت أتفاخر بالسباق و أتبجح عليكما


استدارا عندما سمعا ضحك داسيار الذي لم يكن سبب ضحكه إلا ووودي الذي احتضن نفسه و كأنه يعانق أشعة الشمس و قال بدرامية :أخيرا ! شمس ، نور ، سماء !


شاركاه الضحك مما جعل وودي يبتسم أيضا بطريقة جعلته جذابا ، هدأت ضحكاتهم فقال داسيار : انه تماما كما قالت ويندي ، الغابة المظلمة و بعدها تظهر السماء و ذلك عندما نبدأ صعود الطريق الجبلية …


أكملت عنه مارينيا :و في رأس الجبل نجد الكاهنة شارون


ـ أعتقد أن علينا أن نسارع بالإنطلاق إذن


تكلم أوبرجين ثم توجه نحو حصانه و كذلك وودي ، فسارعت مارينيا هي الأخرى نحو فرسها لكن داسيار أوقفها عندما تكلم


ـ أعتقد أنه من الأفضل أن أقود أنا الفرس هذه المرة ، يحق لك الراحة أحيانا يا فتاة


قهقهت بخفة و أجابته : أعتقد أنك محق ، سأكون ممتنة لك إن فعلت ذلك


ابتسم لها داسيار و ركب فتبعته هي و قبل انطلاقهم علقت بمرح :لم أكن أعلم أنك تجيد ركوب الخيل !


فراوغها هو بشقاوة :و كنت مندهشا عندما وجدتك تفعلين


ضحكت بقوة لكلامه حتى ارتج جسدها ثم انطلق أربعتهم يصعدون الطريق الجبلي ، لم يكن مختلفا كثيرا عن الغابة المظلمة ، الأمر فحسب أن أشجار الصنوبر تباعدت مخلفة مساحة أوسع للمشي و تاركة الضوء يندس إلى الداخل و فاسحة المجال إلى السماء للظهور ، لفحت الشمس مارينيا و شعرت حينها أنها عادت بالفعل إلى أكواريلا ، فأكواريلا دون حرارة ليست أكواريلا كما تعتقد هي ، و فكرت بجدية بأنها ستحصل على بشرة برونزية إن أكملت رحلتها هكذا ، بدأ الطريق بالإنحدار فجأة فطلب منها داسيار التشبث به أكثر ، مرت أكثر من ساعة و هم على تلك الحال ، وودي يقود الطريق بحذر و أوبرجين يحاول إبطائه لانحدار المكان ، بينما داسيار و مارينيا يتابعانهما بحذر ، فجأة صهل حصان وودي و رفع قوائمه الأمامية في خوف حتى كاد الكهرماني يفقد سيطرته عليه ، نزل من على صهوته ثم أخذ يربت على رأسه و يهدئه


اندفع سهم من العدم شاقا الهواء ليمر بسرعة خارقة جنب وودي ثم يرتطم بالشجرة التي خلفه لينغرس فيها و تدريجيا انتبه وودي للسهم الأول الذي أخاف جواده و لم يلاحظ هو انطلاقه ناحيتهم


صرخ بغضب : من هناك ؟ أظهر نفسك !


ترجل الثلاثة عن أحصنتهم و تفحصت أعينهم المكان بحذر ، صدح صوت بناتي بزمجرة قائلا :لست ممن يهابكم حتى أختبئ منكم ، لا مكان للغرباء ها هنا فأنتم تكادون أن تتعدوا على الأرض المقدسة لسيدتي ، تراجعوا من حيث أتيتم و لن يصيبكم بلائي


بدى صوتا صارما لوودي جعله يتأهب في وقفته و يتفحص المكان بعينين حذرتين لعله يكتشف مخبأ هذه الغريبة لكنه لم يكد يفعل ذلك حتى سمع صوت خطوات لتظهر من فوق ربوة قريبة فتاة غريبة استنتجت مارينيا أنها هي المتكلمة ، وقفت أمامهم بعينين لمعتا بسحر التركواز و لم يخفى على أحد منهم الغضب المتأجج فيهما و لسبب ما شعرت مارينيا بالرهبة و هي ترى ملابسها القتالية ، بنطال قصير كحلي اللون استرسلت فوقه بلوزة فضفاضة و طويلة بندقية اللون ذات طبقات كثيرة انحسرت في خط أحمر امتد على كامل أطرافها بينما خصرها التف حوله درع معدني أسود زين بخيط أحمر رفيع في منتصفه


ابتلعت مارينيا ريقها و هي ترى السيفين الذين تدليا من حزامها و شعرت بالتوتر و هي ترى الفتاة كستنائية الشعر تجهز أحد النبال في قوسها المذهبة مستعدة للإطلاق


زمجرت في قلة صبر : أفلا تستنصحون بنصيحتي و تغادرون هذا المكان ؟


تقدم أوبرجين و قال : أيتها الآنسة نحن …


لكنه لم يكد يكمل حتى ربض أمام قدمه سهم من سهام الغريبة ، قالت ببرود :لا تتقدم أكثر و إلا فحتما سيصيبك سهمي هذه المرة


ابتدر داسيار هذه المرة بالكلام فقال مهدئا : اهدئي أيتها الآنسة اعذري وقاحتنا لكن لن نستطيع المغادرة فمرادنا أكبر من أن يسمح لنا بالذهاب دون تحقيقه


قاطعه وودي و قد بدى و كأنه فقد صبره :لذا آنستي ، هلا ابتعدتي و تركتنا نمر فوقتنا يكاد ينفذ


كادت تجيبهم لكن صوتا هادرا أوقفها : رازيل أيتها الصغيرة كثيرة الجهل ، أهكذا تعاملين ضيوفي ، لست أنا من أعلم أتباعي رمي ضيوفي بالنبال ، أخفضي قوسك


رضخت رازيل لكلمات المتكلم و ركعت على ركبتها محنية رأسها بينما توجهت أنظار الأربعة إلى مصدر الصوت ليفاجئوا بامرأة تطفو في الهواء استكان السواد في كلا عينيها و خصلات شعرها و قد أمسكت في يدها عصا عسجدية انتبهت مارينيا إلى أنها تشبه قوس المدعوة رازيل كثيرا


انخفضت المرأة و بدت كأنها تنزل درجا ناحيتهم ثم قالت مكلمة إياهم : أعذروا وقاحتها فلم تكن تعلم أنكم ضيوفي المنتظرين


قال وودي بنبرة شك : هل يعقل أنك الكاهنة شارون ؟


ابتسمت هي بمشاغبة ثم أمالت رأسها قليلا لتقول : بشحمها و لحمها !


تفاجئت مارينيا و قالت متمتمة :لم أكن أعتقد أنها تبدو هكذا ، انها بعيدة كل البعد عن تخيلي لها


قهقه داسيار و قال : و كيف كان تخيلك لها ؟


أجابته مارينيا : على الأقل لم أكن أعتقد أنها شابة


ابتسمت لها شارون ثم تكلمت بنبرة غامضة :أنا أكبر مما تظنين أيتها الصغيرة


صمتت قليلا ثم استطردت : حسنا لما لا ترافقونني إلى قمة الجبل و ستكون رازيل سعيدة للإهتمام بأحصنتكم


نظر الجميع إلى رازيل مواكبين شارون بينما هي أومئت ايجابا بطاعة ، حركت شارون عصاها فأصدرت الحلقات صليلا نغميا ، صرخت مارينيا بفزع و فقدت توازنها إذ أنها ترتفع فجأة عن الأرض و انحنت كمن يحاول التشبث بشيء ما ، بينما أخذت الدهشة مأخذها من داسيار الذي ظل يحدق بالأرض التي تبتعد عنه محاولا استيعاب ما يحدث له هاهنا ، من جهة أخرى كان أوبرجين محافظا على توازنه في حذر و لم يبدو عليه أنه استحب التجربة ، ضحكت شارون بمشاغبة ثم قالت : هيا ، كل ما عليكم هو أن تتعاملوا مع الأمر و كأنكم تمشون على الأرض


صمتت قليلا ثم أعقبت :مثل الأشقر هناك


التفتت مارينيا نحو وودي لتجده واقفا دون أدنى مشاكل حول طوفانه بينما هو ابتسم بسخرية و لوح لها ثم قال : أولست محبوبة السماء ؟ كوني كذلك قولا و فعلا أيتها الفاتنة


ـ بحق الرب ظننت أني تخلصت من سخريته !


تمتمت مارينيا لنفسها في سخط ثم انتبهت إلى أن رازيل اختفت بالفعل مع أحصنتهم ، ابتلعت ريقها و هي تفكر عن ماذا سيحدث لو لم تكن هذه شارون و كانت خدعة ما ! ، لكن أوبرجين ربت على كتفها مطمئنا و كأنه يقول بابتسامته أن وودي لا يمكن أن يخطأ ، تحركت شارون و اثر سحرها المسلط عليهم تبعها الآخرون ، فغرت مارينيا فاهها اندهاشا و هي ترى الغابة من فوق إذ قد اتخذت الأخيرة شكلا دائريا تقسمها ثلاثة طرق من اتجاهات مختلفة ، طريقة رئيسي يؤدي مباشرة إلى الجبل و يرتبط بالطريق الجبلي في نهايته و طريقين فرعيين شرقا و غربا ثم بعدها الجبل الشاهق و الذي بدى جبارا بالنسبة لناظري مارينيا إذ أنه ناطح السماء ، ما إن اقتربوا منه حتى انخفضوا رويدا ليجدوا انفسهم أمام منزل عاجي أقرب إلى المعابد الرومانية الغابرة ، دلفت شارون أولا بينما تسمر الأربعة في أماكنهم ، استدارت ناحيتهم مبتسمة و قالت : أفلا تنعمون علي بتفضلكم بالدخول ؟


تقدمت مارينيا أولا و هي تنظر إلى الأعمدة اللولبية الأربعة التي ارتكز عليها سقف خماسي زينه تمثال إمرأة أمازونية محاربة بدت و كأنها تصرخ صرخة حرب و قد ارتفع سيفها الحجري في إنافة نحو السماء و بدى الباب الخشبي الذي وقفت أمامه شارون ضئيلا جدا أمام حجم المنزل أو المعبد أو أيا كان !


شعرت مارينيا بلسعة برد فارتجف جسدها ، لاحظت شارون ذلك فقالت : لما لا ندخل ، أشم رائحة مشروب ساخن، لا بد أن رازيل تحضره


اندهش وودي فتمتم مقطبا :ليست وحشية القوة فحسب بل خارقة السرعة




بينما داسيار كان أكثر إجهارا بدهشته إذ سأل :هل وصلت تلك الآنسة بالفعل ؟! و مع أحصنتنا ؟


أومئت شارون له و أشارت إلى الاصطبل الخشبي البعيد نسبيا و الذي كان يحتوي على أحصنتهم إضافة إلى حصانين أخرين


ابتسم أوبرجين و قال : هكذا إذن ، كان لها حصانها هي أيضا


قهقهت شارون ثم غمزته و فتحت الباب الباب ، تبعها الأربعة واحدا تلو الآخر ، ما إن فتح الباب حتى صدح صرير حاد تبعه تناثر ذرات غبار كما لو أن المنزل لم يدخله إنسي قط ، و كما توقعت مارينيا كان بالفعل عبارة عن معبد إذ أن القاعة كانت واسعة جدا و في مرمى بصرهم قبع كرسي عاجي استكان فوقه نسر فارد لجناحيه ، و استطاع وودي ملاحظة الباب الصغير الخشبي


قالت شارون : ذلك الباب يؤدي إلى المطبخ ، لابد أن رازيل هناك


لم تستطع مارينيا منع نفسها من التساؤل : و أين تنامان ؟


نظر وودي ناحيتها بسخرية و قال : هل هذا ما يهمك حقا ؟


أدارت مارينيا وجهها جانبا و كأنها تقول له لا شأن لك مما جعل وودي يطلق – بفت – قصيرة ، ابتسمت شارون لمناوشاتهم ثم قالت :في المطبخ هناك درج يؤدي إلى الأعلى ، في القديم ذلك المكان كان يعتبر مكانا للإختباء أثناء الحروب لكننا نستخدمه أنا و رازيل للنوم الآن


ـ أتقصد أن هذا المكان ليس ملكا لك ؟


سألت مارينيا فأجابتها شارون : لا ، ليس كذلك ، لكنني أستعمله على أي حال


توجهت شارون إلى الكرسي و جلست به ، شعر الجميع بهالة من القدسية تحيط بها و كأن ذلك الكرسي خلق لها وحدها لتجلس عليه ، بقي جميعهم بعيدين فلوحت لهم و أشارت لهم أن تعالوا ، تقدموا حتى وصلوا أمامها فدعتهم للجلوس ، جلست مارينيا مباشرة غير أبهة للغبار ، هز داسيار كتفيه و جلس هو الآخر ، تردد أوبرجين قليلا لكنه جلس هو الآخر بعد أن نفض الغبار عن المكان قليلا بينما وقف وودي متوجسا و كأنه يخشى على ملابسه الثمينة فعلة الغبار بها ، أمالت شارون رأسها مبتسمة بهدوء منتظرة جلوسه و كأنها تأبى الكلام حتى يجلس جميعهم


نظرت مارينيا ناحيته بضجر ثم سحبته ليجلس قائلة : ليس و كأن الغبار سيقتلك أيها المهووس بالجمال


تأفف وودي و قد أقعدته السماوية غصبا فجلس ممتعضا ، تكلمت الكاهنة :آسفة لهذا ، رازيل أهملت واجباتها هذه الأيام بسبب عدم بقائها كثيرا هنا ، أووه انظروا لما لا نتكلم و أنتم تحتسون ما أحضرته رازيل


أشارت ناحية تابعتها فاستدارت كل الرؤوس لها ليجدوا الشرسة التي قابلوها سابقا تنظر لهم بهدوء و قد حملت أربعة أكواب ارتفع بخارها على صينية نحاسية ، تقدمت ناحيتهم فأخذ كل واحد كوبا لتغادر هي تاركة إياهم مع سيدتها


تكلمت مارينيا أولا بعد أن احتست قليلا من الشراب الساخن : إذن ما هي ويستاريا سيدة شارون و ما علاقتها بأكواريلا ؟


نظرت الكحلية ناحيتها بهدوء و أرجعت خصلة متمردة إلى خلف أذنها ، تكلمت ببطئ :لما لا نأخذ الأمور بروية عزيزتي ، ستعرفون كل شيء بشكل تدريجي ، أوليس من الأهم أن تخبروني عن أسمائكم أولا ؟


أكملت شارون كلامها بابتسامة دافئة ، شهقت مارينيا و كأنها تعتذر لفظاظتها و قالت : أنا مارينيا لانكستر


صمتت قليلا ثم أشارت لرفاقها تباعا : وودي ميلر ، براوني أوبرجين ، و أخيرا بريدوود داسيار


ألقت شارون نظرات متفحصة نحوهم ثم أعقبت : و أنا شارون ننيس كاهنة أكواريلا و ويستاريا ، و تابعتي هي رازيل ريسوول


صمتت قليلا و بدت شاردة و كأنها معهم جسدا لا روحا ، استطردت :حسنا ، من الافضل أن تصغوا السمع إلي فهذه ستكون قصة طويلة جدا


انتبه أربعتهم لها بكل تركيز بينما هي استرسلت في حكايتها الأزلية …


*~.


في زمن بعيد ، بعيد جدا ، أبعد مما يستطيع الإنسان أن يقرر عدده ، كانت العوالم المختلفة عالما واحدا و أرضا واحدة يسكنها بشر عاشوا في قبائل ، لا تحكمهم قوانين و لا ملوك و لا زعماء ، عشائر مختلفة تفرعت في هذه الأرض ، و في يوم من هذه الأيام الزائلة رسالة غريبة ، أغرب و أعجب من أن يستطيع بشري عادي صياغتها لم يُعلم مصدرها قط أقرت بوجوب ملك يقود هذه الأرض ، شاب قوي و حكيم يُختار من البشرية ليحكمها و يشرع قوانينها و يضبط أمورها


استهزأ الجميع بهذه الرسالة و تجاهلوا أمرها ، لكن هيهات هيهات أن ينتهي الأمر ها هنا ، فإذ بالكوارث تحل عليهم ، زلازل عظيمة و براكين جهنمية و عواصف مهيبة ، و وراء كل كارثة تعود تلك الرسالة لتظهر


علمت العشائر أن عليها تنفيذ أمر تلك الرسالة الغريبة فهو نافذ لا جدال فيه ، و هكذا فعلت ، و تباعا لطبيعة البشر الفخورة فكل عشيرة أعلنت فردا منها كفئا لمهمة المُلك و هكذا ازداد الطين بلة ، اختلفت الأراء فما كان من كبار كل عشيرة إلا أن يتفقوا على مباريات قتالية ، البقاء للأقوى فيها و الأقوى سيكون الملك دون جدال


سنة كاملة كانت مدة القتالات ، فالشباب أقوياء و المباريات كثيرة و عويصة و في نهاية السنة بقي شابان ، كان ذلك آجار و سبارتون ، أيام مرت ، أسابيع و ربما حتى شهور ، ظل القتال الأخير بينهما محتدما ، مهما طالت المدة و مهما تقاتلا كانت النتيجة واحدة ، تعادلا لا مفر منه


سئم الجميع من هذه الحال و هنا كانت المصيبة ، إذ أن أحدهم صاح بوجوب القتال حتى الموت فالقتال العادي لم يجدي و بالتالي فالأسلم أن يقاتلا و الموت للأضعف ، من يبقى حيا منهما فسيكون الملك ، تعالت الصرخات إثر ذلك و أيد الجميع هذه الفكرة


قاطعها وودي بتململ :ما فائدة كل هذه القصة الطويلة شارون ؟


أجابته : كل شيء يأتي على مهل أيها الشاب ، فصبرا فإن ما تبحثون عن إجابته يكمن بين طيات هذه القصة




*~.


[ فلاش باك ]


تعالى صراخ الرجال و النساء و حتى الأطفال [ قتال حتى الموت ] و ترددت هذه الكلمات مخلفة صدى ، أوقفهم الأشقر بحركة من يده و قد حملت حدقتيه السماويتين قلقا دفينا ، تكلم بجهورية: أوليست هذه فكرة سيئة أن نتقاتل أنا و آجار حتى الموت ، ألا يعني هذا توليدا للضغينة و تمهيدا لحرب أهلية و دوامة من الكراهية ؟


صاح أحدهم بين الجماهير : هل أنت خائف أن يهزمك آجار أيها الجبان سبارتون ؟


و تعالت على إثره صرخات استهجان و سخرية ، حدجهم آجار بنظرة حادة من عينيه الرصاصيتين فأطبق الصمت ، بعثر شعره القرمزي و انحنى قليلا بجذعه :كلام سبارتون صحيح ، لو كنا جبانين لما كنا نقاتل منذ أمد ، لكن أفلا تبعدون الغشاوة عن أعينكم ؟ إذا قُتل أحدنا فجماعته ستغضب و ستكيد للطرف الآخر و بالتالي الجماعة الثانية أيضا ستقف إلى جانب مرشحها نخوة ، و كل ما قُتل شخص سيثور رفاقه انتقاما له و تبدأ دوامة من الكراهية و تقوم حرب لا طائل منها


ـ إذن ما رأيكم أن أمدكم أنا بحل وسط ؟


ارتفع صوت أنثوي هادئ لكنه حمل في طياته حكمة غريبة ، استدارت كل الرؤوس باحثة عن صاحبة الصوت ، فتقدمت امرأة شابة لفتت الانتباه بثربها الأبيض الفضفاض و الحزام الذهبي الكبير الذي زين خصرها ، مشت ناحيتهم حاملة عصا عسجدية


تكلم صاحب العيون الرمادية سائلا ما تبادر إلى ذهن الجميع :من أنت أيتها الجليلة ؟


ابتسمت هي في هدوء و قالت :لا يهم من أنا ، فجميعنا بشر و ما أنا إلا إنسية مثلكم و إن كان يهمكم معرفتي فأنا كاهنة هداها القدر لكم ، فهل أنتم بمستمعين إلى حلي للمشكلة ؟


ابتسم لها سبارتون بلطف و قال : سنستمع بالتأكيد و لكن هل من المسموح لنا معرفة اسمك أولا أيتها الكاهنة؟


أجابته في وقار : شارون … شارون نييس و أنتما آجار و سبارتون أليس كذلك ؟


أومئ كلاهما فاستطردت مكلمة الجميع : مثلما أرى و يرى جميعكم فإن هاذين أقوى شخصين على هذه الأرض و يجب اختيار ملك لكم عما قريب ، أفلا تعملون بنصيحتي و تجزئون هذه الأرض لجزئين فأما الشمالي لسبارتون و أما الجنوبي لآجار


تقدم أحد الرجال و قال :و لكن كيف ذلك ؟ الرسالة تنص على ملك واحد


أعقبت شارون قائلة : الرسالة قالت ملكا قويا و حكيما لتوحيدكم و إن كان ملكين متعادلين في الحكمة و القوة سيعملان على التوحيد معا و تشريع النظام فلا أرى بأسا في ذلك


تكلم عجوز بعدها و قال مؤيدا :أعتقد أن الكاهنة الجليلة أتت بحل عظيم ، فإن تقسيم الأرض لمملكتين سيعمل على حقن العداوة و نشر السلام بيننا


ارتفعت همهمة موافقة للعجوز فإبتسمت شارون : إذن أيها العظيمان آجار و سبارتون ستقسم هذه الأرض العظيمة واسعة الحدود إلى قسمين و كما أسلفت بالذكر ، شمالا لسبارتون و جنوبا لآجار ، أما أنتم أيها الشعب فالتنقسموا بتسوية ، كل مجموعة سترافق ملكا ، أيها الملكان فاليبني كل منكما مملكته و ليعمرها و ليتخذ لها اسما و ليقر اسما لشعبه ، و تذكرا في كل جيل عند اختيار الملك القادم أهم معيار أن يكون من اختيار الشعب و لتضعا هذه الكلمات نصب أعينكما دائما


أومئ كلاهما لشارون و تصافحا و حينها انقسم الناس تساويا إلى جانب كل منهما و انطلق كل في دربه متعاهدين على السلام السرمدي لتختفي الكاهنة بعدها كنسمة هواء عابرة …


*~.


أطبق الصمت على المكان وظل جميعهم يحدق في شارون التي سكتت فجأة ، كسرت مارينيا حاجز الهدوء حين تكلمت : إذن ماذا حدث بعد ذلك ؟


أجفلت شارون و كأنها كانت شاردة في عالم آخر و أيقضتها منه مارينيا ، تكلمت : سبارتون و آجار بنيا بمساعدة شعبهما مملكتيهما ، سبارتون أطلق على مملكته اسم ويستارياو آجار أطلق على خاصته أكواريلا و تعاهدت المملكتين على السلم الدائم ، شعب ويستاريا أطلق عليه السبارتانيين نسبة لملكهم و كذلك سكان أكواريلا أطلق عليهم الآجاريس نسبة لملكهم


تكلم داسيار أخيرا و قد كان صامتا طوال الوقت : إذن هذه هي قصة أكواريلا و ويستاريا و ملوكها الأوائل … نحن في أكواريلا الآن فهل يوجد مملكة أخرى على حدودها تسمى ويستاريا ؟


تنهدت شارون و أجابته : أكواريلا ليست مجرد مملكة ، هذا العالم بأكمله يدعى أكواريلا


سأل أوبرجين مقطبا : ما الذي تعنينه ؟


نهرته مارينيا حينها :دعها تكمل و سنعلم مقصدها


صمتت شارون هنيهة ثم تكلمت مجددا :مرت السنين و ازدهرت المملكتين تحت حكم ملكيهما و تطورت عديد الأشياء و مع مرور الزمن انتهت دورة الحياة للملكين و أتى أوان مفارقتهما هذا العالم ، كان لكل من سبارتون و آجار أبناء لكن لم يرشحاهما للملك بل استفتيا شعبهما في اختيار ملك مناسب و تم تنصيب ملكين جديدين قبل موتهما ، مرت السنين و تواترت هذه الدورة ، استمرت ويستاريا في الحكم الجمهوري و كذلك أكواريلا لكن حدث أن شعب الآجاريس فضلوا اختيار ملكهم من أبناء الملك بدل أن يكون من عامة الشعب و استمر الأمر لعقود حتى استحال إلى أن اختيار الملك أصبح منوطا بالملك السابق وحده دون شعبه فيختار من أبناءه من يراه مناسبا خلفا له ، و هكذا حتى أصبح الحكم خلافيا فأصبح أكبر الأبناء هو الملك خلفا لوالده ، طبعا لم تخلو ويستاريا من الوقوع في الأخطاء ، و وقعت في فخ الحكم الوراثي لعقود لكنها سرعانما تداركت الأمر اثر تنبيهي لهم


قاطعها أوبرجين :انتظري لحظة إذن الكاهنة شارون في القصة هي نفسها أنت ؟


أجابته المعنية بهدوء : و من كنت تعتقد ؟


تولى وودي الإجابة إذ قال :كنا نظن أنها سلف لك و أنكم تتوارثون الاسم فحسب


تعجبت شارون من تفكيرهم و بدى هذا واضحا من نظراتها ثم سرعانما استطردت حكايتها : على كل عند تدارك ويستاريا نفسها عادت للحكم الجمهوري و ما إن وصل خبر مخالفة أكواريلا لوصيتي و وصية ملكها الأول وعدم رغبتها في العودة لرشدها أرسل ملك ويستاريا مبعوثا لملكها منبها إياه بضرورة العمل بوصية الأجداد و العدول عن الخطأ
لكن ملك أكواريلا أبى إلا أن يستمر في الوراثة فما كان من الآخر إلا أن يعلن الحرب حتى يعيده إلى رشده ، استمرت الحرب عدة أشهر و كانت دموية جدا فاضطررت لإيقافها بعد أن وعدت ملك ويستاريا بأنني سأصلح رأي الملك الأكواريلي
حاولت إقناع هذا الأخير لكنه رفض و سد أذنيه عن الصواب فحذرته من أن قراره هذا سينغص السلم القائم بين ويستاريا و أكواريلا و الذي أقسم عليه كل من آجار و سبارتون و أنه إن قامت حرب كان فتيل نارها أكواريلا فإن المملكة سيطولها زمهرير شتوي و ليل سرمدي سيسدل على سماءها و رماد سيغطي أرضها و إن حدث ذلك فما هو إلا دليل على أن الدماء الملكية مستها الخيانة للقسم الأعظم للملوك الأوائل و مسها الفساد


استمرت العلاقات بعدها بين المملكتين في توتر ، استمرت ويستاريا في التطور بينما بقت أكواريلا كما هي و هكذا حتى انفصلت ويستاريا مكونة عالما معزولا بنفسها هو عالمكم الحالي بينما أكواريلا و قبل 50 سنة في عهد الملك ريجار قرر ذلك الملك أن الخيانة للقسم الأعظم كانت من طرف ويستاريا لا من طرف أكواريلا ذلك أنها انعزلت بمنأى عن أكواريلا و أن العقاب للخيانة هو الحد لا رجوع في ذلك ، فحضر جيوشه و رغم أنه كان أعلم بما ألت إليه حال ويستاريا من تطور و أنها ستدحر جيوشه بقوته إلا أنه استمر في ذلك ، ساعدته ساحرة عظيمة هي والدة ساحرة أكواريلا العظيمة الآن في صنع فجوة بين العالمين ، وصلت بها جيوش أكواريلا إلى ويستاريا و عاثت فسادا فيها و أراقت عديد الدماء ، ظهرت مرة أخرى حينها و حاولت إيقافه لكنه أبى و في تلك اللحظة بدأت رسائل البرومروس تظهر فما كان مني إلا حذرته بأن قدر أكواريلا سيتغير يوما ما إثر فرد من شعبه و أشخاص من ويستاريا سيتحدون لجعل أكواريلا تعود إلى الصواب ، قبل عامين الملك زيريف ابن ريجار أراد خلافة والده في فعلته فحضر نفسه و جيوشه واضعا غزو ويستاريا و توحيد المملكتين هدفا له و لكن في حادثة غامضة لا يعلم أحد كيفيتها ، اختفى الملك من الوجود


انخفض صوت شارون مع آخر كلمات حتى صمتت تماما ، رفعت حينها مارينيا يدها كمن يطلب الإذن للسؤال فأومئت شارون لها ، تنحنحت قليلا ثم سألت :و إن كانت ويستاريا هي عالمنا فكيف لأكواريلا البدائية أن تهزمها ؟


ـ غبار كورديليا


تكلمت شارون بجدية ثم أكملت : إحدى قدرات الساحرة ساتيلا ، ساحرة أكواريلا التي تعمل تحت إمرة الملك ، هذا الغبار يؤثر على شبكية العين و يجعل الرسائل العصبية التي تصل إلى فص المخ الخاص بالرؤية يصور للعقل أن الجنود العاديين وحوش


ابتسم داسيار بسخرية : هذا يفسر كل شيء … يقال أن الخوف أنجع سلاح


هتفت مارينيا ماسكة رأسها و كأنها استوعبت الأمر الآن فحسب :يا للهول عالمنا هو ويستاريا ؟ لكن لا يوجد شيء كهذا في تاريخنا أبدا


أجابتها شارون مشبعة فضولها :السبارتانيون نسوا بالفعل أصلهم رغم أنهم استمروا بالتطور تحت لواء وصية سبارتون و وصيتي و صنعوا لأنفسهم تاريخا جديدا بينما الآجاريس استمروا بتذكر أصلهم و وصيتهم لكنهم أبدا ما عملوا بها


تكلم حينها وودي بخوف درامي مبعدا جو التوتر : و لكن بحق الله كيف لك أن تبقي شابة بعد كل آلا السنين هذه ؟ أليس من المفترض أن نجد لك قبرا الآن ؟


نظرت اليه مارينيا بصدمة و كأنه قال شيئا محرما بينما ابتلع داسيار ريقه و أنزل أوبرجين رأسه مرتعبا لكن جميعهم اندهش ما إن سمعوا شارون تقهقه بصوت عالي و قد اهتز بدنها بقوة كرسيها ، مسحت دموع الضحك العالقة على أهدابها الطويلة بطرف أناملها البيضاء الناعمة ، هتفت بزهو : هل هذا كل ما أثار اهتمامك من القصة جمعاء ؟


هدأت ضحكاتها قليلا حين أعادت الكلام :الخلود ليس طبعا سببا في ركوني في هذه الحياة الزائلة ، إنما عالقة في الزمن ، لا تصيبني الشيخوخة حتما لكنني أتقدم في السن و الموت قادم لي لا محالة في يوم ما حينما يقرر القدر أن أستظل بظل النيطل


بادرت مارينيا بالسؤال هذه المرة :و هل من فعلة شنيعة فعلها الملك الجديد أم سار على خطى سابقه حتى وصلتنا البرومروس و ظهرت الوحو.. أقصد الجنود ؟ و هل أنت مرسلة البرومروس ؟


ـ لم أكن مطلقا مرسلتها و لن أكون ، انها رسائل إعجازية لا يعلم أحد مصدرها ، ربما القدر و ربما شخص فاني رأى أنها الحل الأوحد لمشكلة العالمين ، أما عن الملك الجديد سيزار ابن زيريف فهو لم يفعل شيئا انما ما همست لي به التأملات أن ويستاريا و أكواريلا يواجهان خطرا أكبرا من الحرب التي بينهما مما استدعى حضوركم للمساعدة ، و إن كان الحظ حليفكم فتستطيعون ايجاد حليفكم من أكواريلا ليساعدكم في مبتغاكم


أجابت شارون فتساءل داسيار حينها : هل يعقل أن يكون وودي هو المطلوب ؟ فهو من أكواريلا


نظرت شارون ناحيته نظرة ثاقبة متفحصة ثم قالت :إذن أنت من أكواريلا أيها الساحر ، هل تملك قدرات خاصة ؟


ـ قدرات خاصة ؟


تعجب وودي فاستطردت هي : أجل قدرات أبعد من أن يملكها بشري عادي


ابتسم وودي ابتسامة ملتوية و قال : لا أظن أنني المطلوب إذن


حينها قالت شارون : معياركم هو القدرات ، إن كان شخصا له قدرات خاصة فهو المنشود


سأل حينها أوبرجين بعد صمت طويل :و كم شخصا تصل البرومروس ؟


أدارت صاحبة العينين الداكنتين رأسها ناحيته و قالت : كما أسلفت بالذكر لست مسيرتها إنما أنا فقط راضخة للقدر و متابعة له فلا علم لي بهوية أو عدد الأشخاص الذين تصلهم الرسالة


تنهدت مارينيا ثم سألت بجدية : إذن ما المطلوب منا ؟


ـ المطلوب منكم هو أن تتوجهوا نحو العاصمة سورداريا و تعلموا من العائلة المالكة المشكلة التي استدعت وجودكم ها هنا و اكتشاف سبب ظهور جنودهم في عالمكم


تكلمت رازيل فاستدارت لها كل الرؤوس بينما وقفت هي حاملة أكياسا عدة ، قالت سوداء العينين مكلمة إياها : هل تبضعتي مرة أخرى رازيل ؟


أجابتها التركوازية ببساطة : حسنا ، عدد الأفراد إزداد


قهقهت شارون ثم قالت بمرح :حسنا أيها الرفاق الجدد يبدو أن رازيل قررت بقاءكم الليلة معنا


وقف أوبرجين نافضا عنه الغبار ثم قال : على أي حال بما أننا علمنا هدفنا فسنغادر غدا إلى العاصمة أليس كذلك وودي ؟


كاد وودي أن يومئ له لكن شارون قاطعته :لا ليس كذلك ، ليس قبل أن تحصل مارينيا على تدريب مناسب تحت يدي رازيل


انتقلت الأنظار بين رازيل و مارينيا ثم نظر جميعهم ما عدى رازيل بصدمة تغزو ملامحهم و استغراب إلى شارون التي ابتسمت باستمتاع



















التوقيع
Snow. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس