بسم الله الرحمن الرحيم
التحذير من قرناء السوء
لفضيلة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ حفظه الله
مفتى عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى. عباد الله، كل فرد في هذه الدنيا فلا بد له من جليس، من جليس يأنس به، ويطمئن إليه، يستضيء برأيه، ويستعين بمشورته، ويفضي إليه أسراره، ويرتاح إليه. هكذا طبيعة البشر في هذه الدنيا، ولكن لهذا الجليس ضوابط شرعية لا بد أن يُضبط بها حتى تكون الأمور على الطريق المستقيم، فكتاب الله وسنة محمد قد أوضحا ما هو الجليس الذي ينبغي أن يُتّخذ ويؤنس إليه، ذلكم أن الناس متفاوتون في أخلاقهم وأعمالهم وسلوكهم وتفكيرهم. أيها المسلم، فعندما تضبط الجليس بالضوابط الشرعية يكون ذلك الجليس خير جليس، وعندما تهمل الضوابط الشرعية ربما تجالس من هو سبب لهلاكك، وفساد دينك ودنياك. الله جل وعلا قد أمر نبيه محمداً بصحبة أهل الإيمان والتقوى، فقال جل وعلا: (وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) [الكهف:28]، ثم حذره ممن هو خلاف ذلك فقال وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28]، وقال له أيضاً: (وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) [الأنعام:52]، وقالوَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ) [الأنعام:54]. والله تعالى يحذرنا من صحبة من لا خير في صحبته فقال: (وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) [الأنعام:68]، وقال: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ) [النساء:140]. أيها المسلم، لا يخلو الجليس من أن يكون جليساً صالحاً أو يكون جليساً فاسداً سيئاً، فما هي علامة هذا الجليس الصالح؟ وما هي علامة ذلك الجليس السيئ الذي لا خير في صحبته؟ إن الجليس الصالح هو المستقيم على طاعة الله، المنفذ لأوامر الله، المحافظ على فرائض الله، الواقف عند حدود الله، المتخلّق بالأخلاق الكريمة، والأعمال الفاضلة، برٌّ بالوالدين، صلة للأرحام، إحسان للجيران، كف الأذى عن الناس، التواضع، وبذل المعروف، وصيانة اللسان عن القيل والقال، فيما لا خير فيه، وفيما لا يعود بالخير حاضراً أو مستقبلاً. هذا الجليس الصالح الذي إن عامل الناس عاملهم بالصدق والوفاء، أمينٌ فيما اؤتمن عليه، صادقٌ فيما حدث به، وفيٌّ فيما وعد به، أخلاقه كريمة، وأعماله طيبة، وصحيفته بيضاء، سيرة نبيلة، وخلقٌ كريم. وضد ذلك من هو مضيّع لأوامر الله، معطِّل لفرائض الله، بعيد عن الطريق المستقيم، سيئ الأخلاق، عاق للآباء، قاطعٌ للرحم، مُؤذٍ للجار، سيئ الصحبة، ذو غيبة ونميمة، وطعن في الناس، وافتراء الكذب عليهم، إن حدثك لم يصدقك في حديثه، وإن وعدك لم يوف بوعده، وإن ركنت إليه لم تر إلا سراباً. إن علاقته بك علاقة مادية، وعلاقة مصلحية، متى ما فقد ذلك منك ولاك ظهره، لا يسمع لك شكاية، ولا ينصحك في أي حاجة، إذا ضاقت بك الأحوال والظروف تخلى عنك في أحرج حالة أنت كنت فيها، ذلك أنه لا خير فيه، خان الله في أمانته، فليس بالبعيد أن يخونك فيما ائتمنته عليه، هذا هو الجليس السيئ الذي لا خير فيه. ونبينا يقرّب ذلك لنا فيقول: "مثل الجليس الصالح كبائع المسك، إما أن يحذيك، أو تبتاع منه، أو تجد منه ريحاً طيبة، والجليس السيئ كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، أو أن تجد منه ريحاً خبيثة"[1]. هكذا يا أخي، فالجليس الصالح إما أن ينتقل إليك أخلاقه وسيرته وأعماله الصالحة، وإما أن يبعدك عن الشر فتقتدي به في الخير، وتتأسى به على قدر صحبتك، فإما أن يُحذيك أعمالاً صالحة، نصيحةً طيبة، وتوجيها ورأياً سديداً، يكشف لك عن عيوب نفسك، فيأمرك بالاستقامة على الخير، ويحذرك من أعمال السوء، إنه يسعى في إصلاحك، فهو حافظ لسرك، صائن لعرضك في حضرتك وغيبتك، هكذا يكون الجليس الصالح، فليتق المسلم ربه فيمن يصاحب ومن يعاشر، يقول : "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"[2]، فمن تخاللـه وتصاحبه لا بد أن يكون بينكم قاسم مشترك جمع بينكما، فإن يكن ذلك القاسم خيراً استعنت به على خير، وإن يكن سوى ذلك أثر عليك في الحاضر والمستقبل. أيها المسلم، النبي سئل: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟! قال: "من أحب قوماً فهو منهم"[3]، فالمحب لأهل الدين والتقى والصلاح والأعمال الصالحة لاحق بهم إن شاء الله، والمحب لأهل السوء والفساد يُخشى عليه أن يُحشر معهم والعياذ بالله. يتأمل قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ) [الأنعام:68]، إذا رأيت إذا جلست مجلساً مع قوم يخوضون في آيات الله، ومع قوم يقولون على الله بغير علم، ومع قوم يسخرون بآيات الله، ومع قوم يستهزئون بآيات الله، ومع قوم يشككون المسلم في ثوابت إسلامه، فإياك وصحبة أولئك، فصحبتهم بلاء، فرب شبهة يقذفونها في قلبك لا تستطيع التخلص منها، (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وقال: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ) [النساء:140]. أيها الأخ المسلم، أي مجلس تسمع فيه كلاماً سيئاً، وأقوالاً باطلة، وأموراً تخالف شرع الله ممن ـ والعياذ بالله ـ ليس عندهم إيمان صحيح، ولا يقين جازم، بل هم في شك واضطراب في عقيدتهم وأخلاقهم، فإياك ومصاحبتهم، إلا أن تريد دعوتهم إلى الله، وإنقاذهم من ضلالتهم، فذاك حسن، وإلا فالانصراف عنهم هو الواجب، ليسلم لك دينك، وتستقيم على الخير، أما إن أمكن دعوتهم وتخليصهم من ذلك الباطل، وتصحيح معتقدهم وأفكارهم فحقاً ما تفعل، وإلا فاعتزلهم أسلم لدينك. أيها المسلم، إذا تفكرت في مجالس كثير من الناس وأحوال أولئك وتعامل بعضهم مع بعض ترى العجب العجاب، فبعض الناس من كانت سيمتهم غيبة الناس والسعي بالنميمة بينهم والكذب والافتراء وتلفيق التهم بالأبرياء، إذا جلس معهم من يقول: النميمة حرامٌ، والغيبة حرام، والشماتة بالمسلمين حرام، والسخرية والاستهزاء والاحتقار لا يجوز، استثقلوك وسئموا منك، وملوا من صحبتك، ورأوك ثقيلاً في مجالسهم، لماذا؟ لأنك لم تطاوعهم فيما هم فيه من البلاء. بعض المجالس التي لا خير فيها مجالس يعمرها أهلها بالخمور والعياذ بالله، بتعاطي أم الخبائث وأمثالها، إذا جالسهم من يقول: تلك أمور محرمة، تلك أمور حرام في شريعة الإسلام، يستثقلون من يقول لهم ذلك، لأن حب هذا الداء الخبيث تأصّل في نفوسهم، فيستثقلون من يقول: إن هذا حرام. أخي المسلم، كم من مجالس لا خير فيها، فاتق الله في نفسك، إياك أن تصحب أولئك المروجين للمخدرات، الساعين في بثها في المجتمع المسلم، إياك أن يخدعوك بما فيها من طمع الأموال، وأنها تدرّ على أهلها أموالاً كثيرة، وأنها وأنها... فاحذر أولئك فلا خير في صحبتهم، ولا خير في مجالستهم، إذ الأموال حرام وسحت وبلاء، والعمل محرم، وتعرّض نفسك لعذاب الله في الدنيا والآخرة. أيها المسلم، إذا رأيت أولئك الذين [يستعملون] الغش في المعاملات وخداع الناس في بيعهم وشرائهم فاحذر مصاحبتهم، وبيّن لهم خطأ الغش وضرره، فإن أجابوا لذلك وإلا فاعتزلهم. أيها المسلم، زن جلساءك بالميزان العدل الشرعي، فإن كانوا أهل استقامة وتعامل حسن فذاك خير، وإن رأيت المعاملة السيئة والأخلاق البعيدة عن تعاليم الإسلام فاحذر منهم فإن في ذلك سلامةً لدينك، وحفظاً لأمانتك أن يؤثروا عليك بآثارهم السيئة، وأخلاقهم الرذيلة، إذا رأيت الذين ـ والعياذ بالله ـ يسأمون من آبائهم وأمهاتهم ولا يبالون بالأم ولا بالأب، بل يضجرون منهم، ولقد تحدثت بعض الصحف في بعض الأيام أن بعض أولئك لما أُعطوا آباءهم وطُلب منهم أخذهم من المستشفى تركوا آباءهم وأعرضوا عنهم ولم يسمعوا ولم يبالوا بذلك وفارقوا آباءهم وتركوهم لمن يحسن إليهم، فإذا رأيت أولئك القلوب القاسية، العظيمة بالشر والبلاء فوجه النصيحة لهم، وحذرهم من بأس الله ونقمته، فإن أجابوا وإلا فاعتزل مصاحبتهم حتى لا يؤثروا عليك بالسوء، إذا رأيت أولئك النمامين المفرقين بين الزوج وزوجته، وبين الأخ وأخيه، والصاحب وصاحبه، والابن وأبيه، فاعتزل مجلسهم فلا خير فيهم حتى لا تتأثر بشرهم وبلائهم وانحرافهم. إذاً فيا أخي المسلم، زن المجالس التي تصحبها والأندية التي تأتيها والأماكن التي تغشاها، انظر لأهلها وأخلاقهم وأعمالهم وسيرتهم، فإن يكن ذلك خيرا فالحمد لله، وإن يكن سوءاً وقدرت على الإصلاح والتوجيه فذاك خير، وإن صدوا عنك ولم يصغوا إلى توجيهك فالاعتزال والبعد عن أولئك خيرُ ما يجنيه العبد حتى يسلم له دينه وتستقيم أخلاقه. أسأل الله، أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم فما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم. -------------------------------------------------------------------------------- [1] أخرجه البخاري في الذبائح والصيد ، باب: المسك (5534) ، ومسلم في البر والصلة ، باب: استحباب مجالسة الصالحين ، ومجانبة قرناء السوء (2628) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه. [2] أخرجه أحمد (2/303) ، وأبو داود في الأدب ، باب: من يؤمر أن يجالس (4833) ، والترمذي في الزهد (2378) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم (4/188) ، وحسنه الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان (0). [3] أخرجه البخاري في الأدب ، باب: علامة حب الله عز وجل (6169) ، ومسلم في البر والصلة ، باب: المرء مع من أحب (2641) بلفظ: ((المرء مع من أحب)) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. المصدر
موقع الشيخ حفظه الله