بعد غروب الشمس بقليل ، ركبتُ الحافلة عائداً إلى المنزل بعد عمل يوم شاق ومرهِق .
في العادة عندما استقلّ الحافلة لا ألتفت يميناً وشمالاً ، ليست سوى حالة من الشرود الذهني حتى لحظة الوصول للبيت ، وطالما أن لكل قاعدة شواذ فالمُلفت للنظر يجعلك تنظر إليه من باب الفضول البشري القبيح .
على يساري مقعد مزدوج يجلس عليه شاب وفتاة يبدو عليهما أنهما جامعيّان .
المُلفت للنظر أمور عديدة استطعت ببسالة تجاوز البعض منها وفشلت في البعض الآخر.
لن أتحدث فقط عن طريقة تصفيف شعر الشاب ، بل تجاوزت الواقع إلى عالم الخيال فقمت بفصلِ شعره عن وجهه فبدا لي كـ القنفذ ، لا أقول ذلك مازحاً بل حقيقة صعبة للغاية .
أما باقي الوجه فـلهُ حكاية أخرى ..
الحاجبان رُسما ببراعة ، وأدركتُ متأخّراً أن الشُبّان يتّبعون هذا النظام التجميلي ، ومع ذلك فهو مُلتحي ..
لا أقصد تلك اللحى في الإسلام ، بل هذهِ الدارجة في هذهِ الأيام ، مهما تحدّثت عنها لن أستطيع وصفها ولكنك تائهٌ لا محالة في دهاليزها واستراحاتها ،تلك هي اللحية العصرية .
قطعةٌ كبيرة من اللبان تملأ فمه وفكّيه في هبوطٍ وصعودٍ دائمين.
سلسلة ذهبية تحيط برقبته وهو حريص تماماً أن يراها الآخرون ، ربما هيَ انعكاس لتلك الحريّة التي يتمتع بها .
حتى في طريقة اختياره للثياب التي يرتديها .. غير لائقة .
على كلّ حال ، أدرك تماماً بأنني أقحمت نفسي في خصوصيّاته الظاهرة بما يكفي .
أما الفتاة ..
سأبدأ من حيث انتهيت بذلك الشاب ، وأُراهن العالم أجمع أن ثيابها وثيابه من نفس النوع والتصميم ، والفرق يكمن في المقاس واللون فقط ، مثيرة ومقزّزة في آنٍ واحد .
في عالم الجمال لمسة بسيطة تُضفي للفتاة رونقاً خاصاً بها .
في عالمها الجميل جمعت كل اللمسات لتُشعرك بوجودك في معرض فنّي صاخب بالألوان .
وفي عالم الإيمان طبيعة الفتاة هي الأجمل بلا إضافات تُذكر .
هذهِ الكلمات ليست سوى نظرة خاطفة ، لم تكن سيئة بأكملها ، هناك أمر رائع أحبّه شخصيّاً كان متواجداً معهم .. ( الكتاب )
مجموعة من الكتب والدفاتر على أحضانهما تبدو أنيقة للغاية ، ربما لكي تتوافق مع المظهر الخارجي لهما وفق ما يعتبرونه أناقة .
" يا لكَ من فضولي .. دعكَ من الآخرين"
هكذا قلتُ في نفسي .
ولكن الفضول غلبني مرة أخرى ، فنظرتُ لهما للمرة الأخيرة .
الشاب يبتسم ويميل برأسه نحوها ، وهي كذلك ، يقتربان أكثر ، يضع يدها في يده ، يتبادلان الأحاديث بصوت خافت لم أسمعه جيّداً ، وفي النهاية قُبلة خاطفة .. جعلتني أبتسم .
في تلك اللحظة ابتعدت عن فضولي المُشين .
بعد ابتسامتي تلك ،عدتُ إلى حالة الشرود التي تكتنفني ، اسئلة عديدة تدور برأسي :
* هل وصلنا إلى هذا الحدّ من الإنحلال ؟
* هل هذا مثال الشباب الجامعي المثقّف ؟
* هل تلاشت ثقافة العيب في هذهِ الأيام ؟
* هل هذا نموذج الحرية التي نسعى اليها ؟
* أهل الفتاة ، لماذا سمحوا لها بالتبرّج ؟
* شخصية وهوية الجيل الصاعد ، إلى أين ؟
اسئلة عديدة راودتني ، لم أستطع الإجابة عليها !!
وفي نهاية المطاف ، وجدت تبريراً جعلني أكفّ التفكير عن كلّ هذا
( أنتَ مُتخلّف .. ليس إلا .. )
قلب إنسان