أجنِحة غُرابية || اللقاء بالموت
" اليوم سأعترفُ بحُبي لآشيلا بالتأكيد "
نطقَ كلماته بإبتسامة واثقة مُخاطباً مرآته التي حَضنت إنعكاسه ، بشعره المُبعثر و عينيه البازلتيتين المُبتهجتين
بدا مُتأكداً أن اليوم سيكون حافلاً ، بتفاؤلٍ طفوليٍّ بُنيَ على آمالٍ هشّة ..
شدّ رِباط عُنق بزّته المدرسية ثم بعد أن انتشل قطعة توست و أحكمها بين أسنانه اندفعَ مُسرِعاً هاتفاً لوالدته :" أنا ذاهب .."
لم يَصِله الجواب بل لم يأبه لسماعه فما يجول بخاطره قد شغَل حواسه كافّة
كانت الشمسُ قد شغَلت محَلها مُتكبدةً صفحةَ سماءٍ نوفمبريَة صافية مع نَسماتٍ مُداعبة كَيَدِ أُنثى تُلاطف الوجَنات
على الطَريق ، أخرَج هو أوراق اللعبِ وبدأ بخَلطِها بإحترافية ثُم ابتسمَ جانبيَاً و همَس :" سأُنفِذُ خُدعة اليوم و بعدها أتفرّغ لإعترافي ! "
سَرت رعشةُ حماسة في سائِر جَسده فأغلَق عينيه مُنتشياً
ليفتحهما تاليَا بصدمةٍ بعد أن لفَحهُ هواءٌ مكسور إثر سرعَة خاطفة لشاحنة كادت أن تدهسَه
تمالك أنفاسه و هدّأ رَوعَ قلبه الهائج ثم نالَ طيفُ إبتسامة شاكرة على ملامحه المُرتجفة ، كاد يفقدُ حياته منذُ لحظة..
لم يمنَح الحادِث قِسطاً من التفكير ، فأمورٌ يوميّة كهذه تحدُث للناس عامّة ..
كُل ما يُدركه هو أن قابضَ الأرواح لم يَبتغي روحهُ بَعد !
أكمل حثّ الخُطا مُتصوباً نحو ذاك المبنى الكبير ، المُحاط بأسوارٍ بيِضٍ مُنخفضةِ العُلو من الإسمنت ..
" هيا هيا فلتُرينا خُدعة اليوم ! "
صَرخ مايكل موجّهاً كلامهُ لي فانفَشتُ نفسي بخيلاء
و أخرجتُ أوراق اللعب خاصتي ، أوضعتها في يديَ اليُمنى و مَسدتها بإبهامي لتَنفتح كهيئة مِروحة اليَد
ثم اخترت من بين الجَمع حولي ذا المظهر الأبله " غايدن "
ليتقدّم نحوي فأمرته أن :" خُذ إحدى الأوراق "
ضيّق عينيه الصغيرتين مُفكِراً و بحركة خاطفة سَحب ورقة
كما لو يُحاول أن يمنعني من رؤيتها فهو دائماً ما يُشكك في خُدعي
بكُل ثقة أنبأتُه بهويّة الوَرقة التي حاول حجبها عني :" إنَها الثاني من نوع الكوبا "
أجفَل هو ، لا يَدري أن كُل ما بين يدَي مُماثِلٌ لورقته
وضعتُ حزمة الأوراق جانباً و أخذتُ ورقته لأكتُب عليها اسمي و تاريخ اليوم كَـ :" دانيال ، اليوم السادس من نوفمبر "
ثُم ختمت كتابتي بخطٍّ مُنحرفٍ طويل و كان هذا توقيعي
أريتُ الورَقة لكُلّ الواقفين ثُم ضَربتُها بين كَفي لإفتحهما فتكونا فارغتين ليهتف الطلاب بذهول :" اختفت!! "
قاطعتُ دهشتهم :" و هذا ليس كُل شيء ! "
فأشرتُ على غايدن أن يفتَح كُتيبَ الإرشاد خاصته و فعل كما أمرت
لتحلّ الدهشة عليهم حينما رَأوا الورقة نفسها بالكتابة نفسها داخل كُتيبه ..
حينها أمسكت الورقة ثانيةً و بحركة خفيفة قَلبتُها لورقة الجوكَر حيثُ أن كتابة مُطابقة لما كَتبته على الورقة السابقة قد رُسمت على الورقة الجديدة ..
سمعتُ تصفيقاً حارّاً و هُتافاتٍ عالية
لقَد كان نجاحاً باهراً بالفعل !
كان حُلمي و ما يزال أن أصير لاعب خِفة ، أتفحصّ الملامح المُتمعنة فيّ حين أبدأ بخُدعتي و أتغبّطُ بإنقلابها لملامح مشدوهة حين أُنفّذها !
توجهّت للحمام ، وقفت مُقابلاً للمرآة إبتسمت بنصر
ثم فتحتُ الصنبور لأُغسِل توتري بشأن ما سأفعله تالياً
فاليوم سأعترف للبنت التي أحببت
أرهف سمعي صريرُ فتحِ أحدِ أبواب المقصورات الموجودة في الحمام ، مُتأكدٌ ألّا أحد هُنا !
أزدردتُ ريقي و تقدّمت بوتيرة بطيئة
لستُ خائفاً لكن الوضع لا طبيعي بالفعل !
مددتُ ذراعي ، تسارعت نبضاتُ قلبي
باتت أنفاسي هي الصوتُ الوحيد المُسيطر ..
أصحيحٌ القوَلُ أن الجِن يسكنون حمّام المدرسة ؟
دنوتُ و فتحتُ الباب لتُفزعني صرخة أنثوية عالية :" أيها المُنحرف !! "
ارتعدت فرائصي فهبطتُ أرضاً ، بعد إذ أترَستُ الباب
تأكدتُ من علامة ‹ حمام الرجال › عند الباب
" إنها هي المُنحرفة يا رجُل ! "
مسحتُ معالم وجهي بيدي وقد زممتُ شفتيّ ، أنا سأنسحب من هذا الموقف ، لا أريد و لا آبه ولا أهتم بمعرِفة ما تفعله تلك الغبية التي لا أدري من هي هُنا !
أستدرتُ لأذهب فاستوقفتني حين خرجت :" مهلاً دانيال فورتشنت "
تطلّعت نحوها حين نطقت اسمي
بفستانها الأسود المتدرّج و الذي بدا مُلتفاً بإنسيابية مُتطبقاً كما لو أن كُل أطرافه تَلِجُ نحو الداخل
و شعرها المُناقض للباسها ، قزحيّتاها كقطعتيّ ياقوتٍ دمويّ
ناهيك عن الأجنحة المُنبثقة ورائها كجناحيّ غُرابٍ أسود يجلبُ الشؤم
نطقتُ مُتلعثما :" مـ..ما أنتِ ؟ "
رَمشتْ بذهول و أردفت :" قابضة أرواح مُبتدئة من مفوضية الموت ! ألا تتفطن ذلك من عدد النجوم على كتفي ؟"
أشارت إلى الرُتبتين المُزينتين بنجمة ذهبية على مَنكبيها
فألسنتُ بعصبية :" أترينني غَبياً !؟ أولستِ مُجرّد أوتاكو مُنحرفة أتخذت مقصورة الحمام مطرحاً لها لتقلّد شخصيَةً خياليةً ما ؟ "
نفَخت خديّها بطفولية و عقدت حاجبيها ليُسفر الهواءُ عن مِنجلٍ تكوّن لحظياً بين يديها فطقّت رقبتها و خاطبتني :" كيفَ تُريد أن تموت يا فورتشنت ؟"
رأيتُ الجحيم بذاته منتصباً خلفها فعلِمتُ أن ما يجري سيؤول إلى حدثٍ سيء
رفعتُ يدي مُستسلماً و ردتُ :" أنتظري ! لا أريد الموت بعد !! "
-:" أنت ميت بكل حال ؟ لذا أخبرني بماهيّة الطريقة التي تُفضلها للموت "
-:" ما قصدُك ؟ "
-:" كان من المفترض موتك صباحاً في حادث شاحنة ! لكن بسبب حساباتي الخاطئة فقد نجوت للأسف لذا جأتُ شخصياً لقبضِ روحك لكني شعرت برغبة مُلّحة لدخول الحمام و اتضح أنك لا تستحقُ أيّ فُرص ! لذا لن أسحب روحك بسهولة بل سأعرف أسهل طريقة تريدها لتموت لأقتلك بوسيلة أصعب مما تفكر !"
إنها مجنونة ! لا بل مُختلة عقلياً !
المُشكلة أنها جادة في كلامها ! ما الحل ؟
-:" هممم هلّا منحتني مُهلةً للتفكير ؟ "
-:" ولِمَ ؟ سؤالي بسيط ، الأمر ليس كما لو أني عرضتُ عليك الزواج أو ما شابه ! "
غصصتُ بكلماتي ، إنها قابضة أرواح غبية بشكلٍ لا يُصدق !
نظرتُ نحو الأعلى أعضُّ شفاهي و صرختُ بمُهجتي
من كان وراء تسليمها منصِباً كهذا ؟؟
تأففت مُتجهمة ثم وجهّت أنظارها نحوي لتقول لاويةً شفتيها :" ليس لدي اليوم بأكمله ! إن لم أُنهي عملي معك سأتجشم عناءً لا طائل منه ! بالإضافة عليّ أحصُد الكثير من الأرواح بعدك "
إنها تستعجُلني كما لو أن الأمرَ بيدي ! بعد تفكيرِ ثوانٍ خطرَ لي خاطِر
قد يُمكنُني إحباطُ خُطط الموت ! الموتُ يحاولُ إعتراضَ قَدري مع محبوبتي !
هذا واضح ...
سألتُها :" أإذا صارَ شيءٌ ما كان يجبُ حدوثه ، فسوف أنجو ؟ "
أجابت بينما أصابعها تعبثُ بالنجوم على كتفيها :" على ما أعتقد.."
إنها فعلاً مُهتمة بتلك النجوم ، و أجزم أنها لا تستحقها
فجأة لمعت فكرة لفظتها من فوري بحماسة :" أتريدين رؤية خُدعة ! "
يبدو أني جذبت إهتمامها فقد تركت نجومها و ركّزت عليّ بينما إلتمعت عيناها الحمراوان بسطوعٍ بريئ لتقول بتردد :" لـ.. لا بأس ، أرني ما لديك .. "
حسناً !!
-:" ثبتي رؤيتك على الساعة بين يدي "
طلبتُ ذلك بينما تدّلت بين أصابعي ساعة قديمة الطراز ، دائرية و ذهبية
بدأت أحداقها تنتقل ذات اليمين و الشمال مُتابعة تحرّك ساعتي ثم في اللحظة المُناسبة فرقَعتُ أصابعي فانطفأت الأضواء و بَيدَ أن النوافذ مغلقة صارت الرؤية محجوبة تماماً ، كانت هذه فُرصتي للهرب ..
سأقوم بما لم يضَعه القَدرُ في حُسبانه ، و سأنجو
فإن كانت قابضة روحي غبية إذاً ليس من الصعب الهربُ منها مِراراً و تكراراً
و بما أن قدري كان مكتوباً بأن أموت دون الإعتراف بحبي
فأظن أن إعترافي سيكون الحلّ الذي سيُجبر القدر على تغيير مُخططاته !
يُتبع |
التعديل الأخير تم بواسطة Crystãl ; 02-11-2018 الساعة 07:18 PM |